توماس بلاك
بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

اتفاق أميركا وإيران وقطاع الشحن العالمي

استمع إلى المقالة

تواجه سوق الشحن العالمي اضطرابات متواصلة منذ أكثر من 6 أعوام؛ بدءاً من طفرة جائحة «كورونا» وما أعقبها من انكماش، مروراً بالغزو الروسي لأوكرانيا، وصولاً إلى صواريخ الحوثيين التي أدَّت التأثير على قناة السويس، ثم موجة الرسوم الجمركية العنيفة، العام الماضي، والآن إغلاق مضيق هرمز.

ولا يُرجح أن تهدأ هذه الاضطرابات قريباً؛ فالاتفاق الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف إطلاق النار مع إيران ليس سوى إطار عام، يترك التفاصيل الصعبة إلى مرحلة لاحقة.

ويركز ترمب على إعادة فتح مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من إنتاج النفط العالمي، في أسرع وقت ممكن، لخفض أسعار البنزين، وكبح التضخم قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

لكن التوصل إلى اتفاق شامل مع إيران سيكون مهمة صعبة؛ لذلك لا ينبغي أن يكون تمديد المهلة البالغة 60 يوماً للتوصل إلى تلك التفاصيل، لا سيما ما يتعلق بتخلي طهران عن مخزونها من اليورانيوم المخصب، أمراً مفاجئاً، وربما يمتد ذلك حتى يوم الانتخابات.

أمام ترمب نافذة زمنية قصيرة لإعادة تدفق النفط من الخليج العربي، وهو العامل الأساسي لخفض أسعار خام برنت القياسي، التي ارتفعت من نحو 60 دولاراً للبرميل في بداية العام إلى أكثر من 100 دولار بعد أن بدأت الولايات المتحدة، بالتنسيق مع إسرائيل، قصف إيران في نهاية فبراير (شباط) الماضي.

وعلى الرغم من الهجوم الأميركي المكثف، أثبت «الحرس الثوري» الإيراني أنه قادر بسهولة على تعطيل حركة السفن باستخدام الألغام والزوارق السريعة المسلحة بالصواريخ.

وخلال فترة شهدت اضطرابات كبيرة، كانت ناقلات النفط المدعومة من إيران تعبر المضيق، بينما ظلت جميع السفن الأخرى عالقة في الموانئ.

ورد الرئيس الأميركي بإيقاف حركة الملاحة البحرية بأكملها في الخليج العربي؛ ما فرض ضغوطاً مالية إضافية على إيران، لكنه زاد في الوقت نفسه من اختناق سوق النفط.

وكان الارتفاع الحاد في أسعار البنزين منذ اندلاع الحرب هو الأثر الأكثر مباشرة وفورية على الأميركيين؛ ما جعله بمثابة مقياس لأداء الاقتصاد.

كما أن تكاليف النقل شكلت أثراً فورياً آخر؛ إذ أسهمت بدورها في زيادة الضغوط التضخمية، حيث قفز معدل التضخم السنوي في مايو (أيار) الماضي إلى 4.2 في المائة مقارنة بـ2.4 في المائة في يناير (كانون الثاني). لكن، وللأسف الشركات التي تنقل البضائع بحراً وبراً وعبر السكك الحديدية، فإن مذكرة التفاهم التي وقّعها ترمب وإيران لا تقدم وضوحاً يُذكر بشأن المستقبل القريب.

وقد أدركت شركات النقل منذ وقت طويل أن هوامش أرباحها الضئيلة لا تتيح لها استيعاب الزيادات المفاجئة في أسعار الوقود؛ لذلك اعتمد قطاع الشحن، سواء الشحن الجوي أو النقل البحري أو السكك الحديدية أو الشاحنات، رسوماً إضافية على الوقود لتمرير ارتفاع تكاليف الطاقة إلى العملاء الشاحنين.

وهذه الشركات، التي تضم في معظمها تجار التجزئة والمصنعين والموزعين، تجد نفسها الآن مضطرة إلى الاختيار بين تحمّل الزيادة في تكاليف الشحن أو تحميلها للمستهلك.

ومن المتوقع أن تبدأ الرسوم الإضافية على الوقود في التراجع إذا صمد وقف إطلاق النار، وأُعيد فتح مضيق هرمز بالكامل أمام حركة السفن، وإن كان من غير الواضح مدى سرعة عودة تدفقات النفط إلى مستوياتها الطبيعية. ومن المتوقع أن ينخفض المعروض العالمي من النفط بمقدار 3.9 مليون برميل يومياً ليبلغ متوسطه 102.4 مليون برميل يومياً هذا العام حتى مع استمرار وقف إطلاق النار، وفقاً لتقرير صادر عن وكالة الطاقة الدولية. ومن المتوقع أن يعاود الإنتاج الارتفاع بمقدار 8 ملايين برميل يومياً في عام 2027.

ومع تراجع أسعار النفط الخام، يُفترض أن تميل أسعار شحن الحاويات البحرية إلى الانخفاض أيضاً، غير أن الصورة أكثر تعقيداً.

فقد ارتفع سعر الشحن على خط شنغهاي - لوس أنجليس القياسي إلى أكثر من الضعف، لتصل إلى 5142 دولاراً للحاوية منذ فبراير الماضي، وفقاً لبيانات «درويري».

كما عمد كثير من الشاحنين إلى تقديم مواعيد نقل بضائع موسم الذروة والعودة إلى المدارس، بسبب حالة عدم اليقين الجيوسياسي.

وقد أسهم هذا التقديم المبكر، إلى جانب تعطل جزء من الطاقة الاستيعابية في الخليج العربي، حيث لا تزال نحو 500 سفينة عالقة هناك، في حجب حقيقة أن قطاع النقل البحري ما زال يعاني فائضاً في الطاقة الاستيعابية. ومع التوصل إلى اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز، قد يفضّل المتخصصون في الخدمات اللوجيستية الانتظار حتى تتراجع أسعار الشحن البحري في وقت لاحق من الصيف.

أما بالنسبة إلى التضخم بصورة أوسع، فقد يكون الوقت قد فات بالفعل؛ فمن غير المتوقع أن تنخفض الأسعار سريعاً في ظل سباق محموم لبناء مخزونات من السلع والنفط، تحسباً لموجة جديدة من الاضطرابات.

فوقف إطلاق النار هذا ليس سوى هدنة مؤقتة تخدم مصلحة الطرفين، بينما لا يزال الصراع بين الولايات المتحدة وإيران بعيداً عن الحسم.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»



عاجل مونديال 2026: الرأس الأخضر تصمد أمام الأوروغواي وتنتزع نقطتها الثانية