تتّسم الآيديولوجية التاريخية في أميركا اللاتينية (وأميركا الجنوبية) بالتقلّبات والانقسامات الجنوبية؛ فهي تترنّح بين الأنظمة الشعبوية اليسارية تارة، والديمقراطيات الليبرالية تارةً أخرى. كما تتأثر بالصراع الجيوسياسي الدولي بين الولايات المتحدة والصين الذي أصبح الشريك التجاري الأول والمستثمر الأكبر في البنية التحتية والموارد الطبيعية في معظم دول أميركا الجنوبية، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة تعزيز حضورها وإقصاء النفوذ المنافس لاستعادة السيطرة في نصف الكرة الغربي. كذلك تلعب المنظمات الدولية، والسوق الأوروبية المشتركة لأميركا الجنوبية (ميركوسور)، دوراً كبيراً في تشكيل السياسات الاقتصادية والدبلوماسية المشتركة.
تقع بوليفيا في وسط أميركا الجنوبية، وهي دولة متعدّدة القوميّات، وتُعدّ خامسة كبرى دول القارة مساحة بعد البرازيل، والأرجنتين، وكولومبيا.
تعود جذور الأزمة بين بوليفيا والولايات المتحدة إلى التدخلات الأميركية السابقة في الشؤون الداخلية البوليفية، وصراع النفوذ حول الحرب على المخدرات، والتوجّهات الاشتراكية لقادة بوليفيا التي أدّت إلى قطيعة دبلوماسية دامت نحو 17 عاماً، حيث بدأت فعلياً منذ القرن العشرين، تحديداً في إطار «دبلوماسية الدولار». ومبدأ مونرو هو سياسة خارجية أعلنها الرئيس جيمس مونرو عام 1823، وتنص على أن أي تدخل استعماري أوروبي في دول الأميركتين (نصف الكرة الغربي)، سيُعدّ تهديداً للأمن القومي للولايات المتحدة، حيث مارست الولايات المتحدة نفوذها السياسي والاقتصادي على قطاعات استراتيجية مثل التعدين. وتصاعدت حدة التدخلات لاحقاً خلال «الحرب الباردة» للوقوف في وجه وصول التيارات اليسارية إلى السلطة، وقد دعمت وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) العمليات العسكرية المناهضة للشيوعية، التي تُوّجت بمحاصرة وإعدام الثوري تشي غيفارا عام 1967.
ولكن مع وصول إيفو موراليس إلى السلطة وتسلّمه سدة الرئاسة عام 2006 التي استمرت حتى عام 2019، أخذت المشاكل التاريخية السياسية والتوترات الدبلوماسية، في أواخر فترته الرئاسية، تتفاقم بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والدولة البوليفية بشكل أساسي في تصادم الرؤى الآيديولوجية والتدخلات في الشؤون الداخلية البوليفية، وظهرت بوضوح خلال فترتي الولاية الأولى والثانية، ووصلت ذورتها في 20 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019، بعد أن اعترضت واشنطن وإدارة ترمب على نتائجها، وعدّتها «غير ديمقراطية». وهكذا فإن حكم موراليس لم يدُم طويلاً، بعد أن قدّم استقالته في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2019، بسبب الضغط الشعبي والعسكري ورفض المعارضة لنتائج الانتخابات الرئاسية.
وهكذا، فإن سبب الخلاف الآيديولوجي بين الإدارة الأميركية والرئيس ترمب، والرئيس الأسبق إيفو موراليس، يتمحور حول الصدام بين الاشتراكية والسياسات المناهضة للإمبريالية والسياسات الرأسمالية اليمينية المتطرّفة. لذا، عدّت واشنطن استقالة موراليس انتصاراً للديمقراطية، بينما ندّدت الحركات اليسارية، ووصفت إطاحة الرئيس موراليس عام 2019 بالانقلاب المدعوم أميركياً.
تشهد بوليفيا منذ أوائل مايو (أيار) 2026، وفي عهد الرئيس البوليفي اليميني الحالي رودريغو باز، مظاهرات شعبية تقودها النقابات العمالية وعمّال النقل والمناجم والمعلمون، وتعود أسبابها بشكل رئيسي إلى مطالب اقتصادية، لتتحول إلى مطالب سياسية تطالب بإسقاط الحكومة.
وتتلخص أبرز المطالب الاقتصادية في زيادة الرواتب، وتوفير إمدادات وقود وطاقة مستقرة، وإلغاء الإصلاح الزراعي، ووضع حد لنقص الغذاء والدواء وغيرها...
وقد تحوّلت الاحتجاجات إلى ثورة عارمة جعلت من مدينة لاباز ساحة معركة، على الرغم من أن الرئيس باز قدّم تنازلات بالإصلاح الزراعي، وتخفيض راتبه البالغ 24 ألف بوليفيانو، أي ما يوازي نحو 3500 دولار أميركي، إلى النصف، لتهدئة غضب المتظاهرين؛ لكن من دون جدوى.
كان الاقتصاد في عهد الرئيس السابق اليساري الاشتراكي موراليس (2006 - 2019) في طور ازدهار اقتصادي واجتماعي غير مسبوق تميّز بنمو قوي بلغ نحو 4.6 في المائة، وتأميم الموارد الطبيعية الاستراتيجية (الغاز الطبيعي) وانخفاض حادّ في معدلات الفقر المدقع، وتضاعف الناتج المحلي الاجتماعي ثلاث مرات، ورفع عائدات الدولة من 22 في المائة إلى نحو 80 في المائة، وزيادة الاعتماد على التصدير، مما أدّى إلى زيادة احتياطات النقد والعملة الصعبة، ولكن على الرغم من ذلك، فقد رافقت ذلك انعكاسات سلبية؛ من أهمها عرقلة الاستثمارات الخارجية وزيادة الاعتماد على استخراج الموارد الطبيعية (الغاز الطبيعي).
من اللافت أن الاقتصاد البوليفي وصل إلى حافّة الانهيار قبل وصول الرئيس باز إلى السلطة وتوليه الرئاسة، وذلك نتيجة لاعتماد الدولة بشكل مفرط على استخراج وتصدير الغاز الطبيعي، مما أدّى إلى نضوب تدريجي لحقول الغاز وانخفاض الإيرادات والنقد الأجنبي، كما أدّى إلى عجز الدولة عن تمويل واردات الوقود والغذاء والدواء بسبب شحّ العملات الأجنبية، وتضخّم تخطّى حاجز الـ20 في المائة في المائة، وشلل في القطاعات التجارية والاستثمارية.
لقد ورث الرئيس رودريغو باز هذه التركة، فهل سيتمكن من الاستمرار في الحكم، وحمل هذا الإرث المشؤوم بعد رفع الدعم عن المحروقات وتطبيق إجراءات تقشّفية قاسية؟!
