يثير وضع الأسواق اليوم الحنين داخل الصحافي الاقتصادي ريتشارد آبي تجاه أيّامِ مجدِ شركة «بولارويد». وكتب في هذا الصدد أنه في عصرِ «نيفتي فيفتي» (الخمسين المميزة)، أواخرَ الستينيات وأوائلِ السبعينيات، حظيت «بولارويد» «بالهيمنة على ما يقاربُ ثلثَي سوقِ الكاميراتِ الفوريَّة. وكان يجري تداولُ أسهمِها بمضاعفاتِ أرباحٍ تجاوزت 90 ضعفاً». وبعد ذلك، انفجرتِ الفقاعة وانهارت تلك الأسهمُ الخمسون، ما أسقطَ السوق كلها. اليوم، يبدو الارتفاعُ الحالي المدفوعُ بأسهم الذكاءِ الاصطناعي مشابهاً على نحو مخيف؛ بل وربما أسوأ. وتعني هيمنة التكنولوجيا أنَّ 10 شركات فقط تمثِّلُ نحو 40 في المائة من مجمل القيمة السوقيَّة.
جدير بالذكر هنا أنه في سبعينيات القرن الماضي، كانت «بولارويد» واحدة من 50 شركة شكَّلت أسهمها نحوَ 45 في المائة من قيمة مؤشرِ «إس آند بي 500». أما اليوم، فأكبرُ 10 شركاتٍ فقط تشكِّل 40 في المائة من المؤشر. صحيحٌ أنَّ الأرباحَ تبدو مذهلة، ولكن ينبغي تذكر أن أرباحَ «بولارويد» بدت كذلك هي أيضاً في ذلك الوقت. ومثلما كتب ريتشارد، فإن: «وحوش الذكاءِ الاصطناعي التي يجري بناؤها الآن ستتنافسُ، نهاية الأمر، بعضها ضد بعض. والمنافسة المباشرة، رغم أنَّها مفيدة للمستهلكين، يكاد يكون في حكم المؤكد أنها ستُلحق الضرر بالأرباح».
وحولَ ارتفاعِ التكاليفِ بسبب حربِ إيران، قال: «قد لا تؤثر تكلفة المدخلاتِ مثل الطاقة والألمنيوم والنحاس والشحن، فوراً على الأرباح؛ بل قد تتسرَّبُ ببطءٍ مع مرورِ الوقت وتبقى فترة طويلة. وهذا ما يثير قلق المسؤولين التنفيذيين في الشركات، حتى وإن بدت (وول ستريت) مطمئنة».
ومع ذلك، يستمر هوس المستثمرين بالذكاءِ الاصطناعي. حتَّى شركة «فورد موتور»، التي تأسَّست عام 1903، شهدَ سهمُها أكبرَ قفزة له منذُ أكثرَ من 6 سنواتٍ، الأربعاء، بعدَ إعلانِها أنَّها وجدت سبيلاً للاستفادة نوعاً ما من طفرة الذكاءِ الاصطناعيّ، عبرَ إطلاقِ أعمالِها الخاصَّة ببطَّاريَّات الشبكات الكهربائية.
وعبَّر ليام دينينغ عن اعتقاده بأنَّها خطوة ذكيَّة، على خُطى شركاتٍ صناعيَّة عريقة مثلَ «كاتربيلر»؛ خصوصاً أنها ستكونُ مفيدة للغاية لمركباتِ «فورد» الكهربائيَّة. وقال: «إن خفضَ تكلفة البطَّاريَّات أمرٌ حاسم لكي تفوزَ المركباتُ الكهربائيَّة بحجَّة القدرة على تحمُّلِ التكلفة، مقارنة بمحرِّكاتِ الاحتراقِ الداخليِّ، وكما أثبتت الصين، فإنَّ توسيعَ قدرة تصنيعِ البطَّاريَّات العاملُ الأساسي لتحقيقِ ذلك». وإذا كان ذلك يعني الاستفادة من هالة الذكاءِ الاصطناعيِّ، فلا بأسَ بذلك.
في غضون ذلك، أعادتني ذكرياتٌ من الماضي إلى أيام ازدهار الأسواق المالية، وأيام المضاربة على انخفاض الأسعار، وأيام التمسك بالاستثمار طويل الأجل. هل تذكرون شركة «غيم ستوب»، السهم الذي تحوَّل إلى مادة للسخرية، والذي سبَّب صداعاً شديداً لكثير من المضاربين على انخفاض الأسعار عام 2021؟ أتذكرون، خلال فترة الجائحة، عندما لم يكن هناك ما يُذكر من أحداثٍ أخرى؟
حسناً، عادت «غيم ستوب» إلى عناوين الأخبار، بعدما قدَّمت عرضاً للاستحواذِ على «إيبي». نعم، هذا صحيح: شركة تمتلك 9 ملياراتِ دولارٍ نقداً، وقيمة سوقيَّة تبلغ نحوَ 10 ملياراتِ دولار، تريدُ شراءَ شركة تبلغ قيمتُها السوقيَّة نحوَ 48 مليارَ دولار. من جهته، وصفَ الرئيسُ التنفيذي رايان كوهين العرضَ - على نحو بدا غريباً وغير منطقي - بأنَّ «نصفه نقدي ونصفه أسهم»، أي 28 مليار دولارٍ من كلِّ نوع. يا لها من غرابة! ومن الواضح أنَّ «إيبي» رفضت العرضَ، هذا الأسبوع.
والآن، هل هذا القرار صائب؟ مثلما وضَّح مات ليفين، فإنه: «لا تكمن جاذبية هذه الصفقة للمساهمين في قيمتها المالية المعلنة، ولا فيما سيحصلون عليه منها، وإنما في: (1) إدارة رايان كوهين، و(2) استغلالها للميمات».
ولا ينبغي لنا أن نغفل قيمة الغرابة في عالم تمويل الشركات. مثلاً، يذكرنا كريس هيوز بأن شركة «ماكورميك»، صانعة صلصة «ريد هوت»، أبرمت صفقة في مارس (آذار) لدفع 45 مليار دولار في صورة نقد وأسهم، مقابل قسم الأغذية في شركة «يونيليفر»، عندما كانت قيمتها السوقية 14 مليار دولار فقط. وكما أشار كريس، فإن: «عالم تمويل الشركات يحب الجرأة؛ لكن التفاصيل الدقيقة قد تكون قاسية».
يمكن النظر إلى هذا العرض كذلك بوصفه طلب توظيف من كوهين مقدَّماً إلى «إيبي».
في الحقيقة، الأمر ليس غريباً إلى هذا الحد، كما يوضح مات: «أراد إيلون ماسك إدارة (تويتر)، فاشتراها. وأراد ديفيد إليسون إدارة (وارنر بروس)، فاشتراها». بالطبع، كان لدى هؤلاء الرجال المال، وهو ما لا يملكه كوهين. لذا سيضطر إلى اللجوء إلى النشاط وجهود الضغط. ومهما يكن ما سيحدث لاحقاً، فسيكون الأمر ممتعاً! في هذه الأثناء، ارتفعت أسهم «إيبي». وعليه، أظن أن الذكاء الاصطناعي والأرباح الضخمة ليسا السبيل الوحيد لرفع سعر السهم إلى عنان السماء.
وفي الوقت الذي تتطلع فيه الأسواق بشغف إلى التكنولوجيا المتطورة والمستهلكة للطاقة، يتحرك المشهد الثقافي في الاتجاه المعاكس؛ فقد صدرت ألبومات عدة، منها «مور» لفرقة «بلب»، و«ذي لايف أوف إيه شوغيرل» لتايلور سويفت، و«كيس أول ذي تايم» لهاري ستايلز، على أشرطة كاسيت، وهي وسيلة معروفة برداءة جودتها وإزعاجها الشديد.
وفي الوقت الذي يحاول بعض أبناء «جيل زد» التأقلم مع شرائط الكاسيت، نعاني نحن الباقين من ركاكة الذكاء الاصطناعي التي تتسلل خفية إلى تطبيقات الموسيقى. لقد أمضت «بيلبورد» 113 عاماً في صياغة قوائمها بدقة متناهية. ويتعين عليها العمل بالدقة ذاتها لاستبعاد أعمال الذكاء الاصطناعي، بغية الحفاظ على الابتكار الفني والمنافسة الشريفة.
ولحسن الحظ، كما كتب بيتر إيه. بيري، الحل بسيط: إنشاء تصنيف منفصل لموسيقى الذكاء الاصطناعي. يقول بيتر: «إذا كان لدى (بيلبورد) أي تحفظات بشأن استبعاد الذكاء الاصطناعي تماماً من تصنيفاتها الأخرى، فلا ينبغي لها ذلك. في النهاية، سبق لها أن قالت: (لا)».
في غضون ذلك، عادت «نينتندو» إلى أرشيفها لإحياء لعبة «ستار فوكس 64»، في خطوة تستهدف بوضوح جيل الألفية الأكبر سناً، الذين لا يزالون يتذكرون «البطل الثعلب» من سنوات طفولتهم. ومع ذلك، حتى مع كون جهاز «سويتش 2» أسرع أجهزة «نينتندو» مبيعاً على الإطلاق، واقتراب فيلم «سوبر ماريو غالاكسي» من تجاوز مليار دولار في شبَّاك التذاكر العالمي، لا يزال المستثمرون يشعرون بالخوف.
وتكمن المشكلة - كما يوضح جيرود ريدي - في أن خطط «نينتندو» لهذا العام يكتنفها الغموض: «لم تعلن الشركة عن أي لعبة لموسم التسوق الحاسم في العطلات». جدير بالذكر أن «نينتندو» تحب مفاجأة لاعبيها، فقد ظهرت لعبة «ستار فوكس» الجديدة فجأة. أما المستثمرون - من ناحية أخرى - فيكرهون المفاجآت.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»
