وقّعت واشنطن وطهران، عشية بدء مفاوضاتهما في منتجع بورغنستوك السويسري، مذكرة تفاهم تُنهي مرحلة الاشتباك المباشر وتفتح مرحلة تفاوضية مدتها ستون يوماً، يُعاد خلالها فتح مضيق هرمز أمام الملاحة من دون رسوم، ويُرفع الحصار البحري الأميركي تدريجياً، ويُفرَج عن جزءٍ من الأصول الإيرانية المجمَّدة فوراً وعن باقيها لاحقاً، أما الملف النووي، الجوهر الحقيقي للأزمة، فلم يُحسم؛ تركته المذكرة معلَّقاً بصيغةٍ فضفاضة تتيح لكل طرفٍ أن يقرأها كما يشاء، فالنص، كما سرَّبته طهران في سبعة محاور علنية، يقول إنه لا التزامات جديدة عليها، وإن برنامجها النووي السلمي يبقى كما هو إلى حين الاتفاق النهائي، وإن حقها في التخصيب وملكيتها للمواد المخصَّبة سيُبحثان لاحقاً ضمن مبادئ النظام وليس ضمن شروط الخصم. في المقابل، يقول الجانب الأميركي إن إيران وافقت على عدم امتلاك سلاحٍ نووي، وعلى حل أزمة مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب الذي يقترب من 440 كيلوغراماً، عبر خيارٍ يخفِّض نسبة التخصيب داخل إيران نفسها تحت إشراف مفتشي الأمم المتحدة. روايتان لنصٍّ واحد، وهذا بالضبط ما يكشف عن طبيعة التسوية: ليست اتفاقاً، بل تأجيل مُتفق عليه.
ما الذي تغيَّر إذن عن اللحظة التي أعقبت الضربات الأميركية - الإسرائيلية على نطنز وفوردو وأصفهان؟ الجوهر لم يتغيَّر: البنية الصلبة للمشروع النووي الإيراني ظلَّت مهشَّمة، والاقتصاد الإيراني ظلَّ رهينةً لكل جولة تفاوض، ما تغيَّر هو أن إيران انتقلت من موقع المُتلقّي للضربة إلى موقع المفاوض الذي يكسب وقتاً، وهذا فارقٌ ليس هيناً في سياسة الأمم التي تُحسن الانتظار، أما واشنطن فانتقلت من خطاب الحسم العسكري إلى خطاب الإدارة السياسية لنتائج الحسم، وهو انتقالٌ يحتاج إلى تسويق مختلف تماماً أمام جمهورين لا يقلّان تطلُّباً عن الجمهور الإيراني: الناخب الأميركي، وحليفٌ إسرائيلي رفض من الأساس أن يكون شريكاً في المذكرة، وأعلن أن نتنياهو لا يلتزم بأي انسحابٍ من لبنان، في مؤشرٍ على أن جبهة ثانية لم تُغلق.
هنا يكمن جوابٌ أول عن سؤال: لماذا يتمسك كل طرفٍ بخطاب الانتصار الكبير؟ لأن كلاً منهما يخوض، إلى جانب المعركة الخارجية، معركةً داخلية لا تقل ضراوة؛ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحتاج إلى أن يقدِّم لقاعدته الانتخابية ولقادة مجموعة السبع إنجازاً نهائياً وليس تسوية مفتوحة، ولهذا يصف الاتفاق بأنه «رائع» ويتحدث عن مرحلة تفاوضية مقبلة «أسهل»، بينما يعرف جيداً أن الشيطان يكمن في تفاصيل التخصيب التي لم تُحلّ بعد. وطهران، في المقابل، تحتاج إلى أن تُقدِّم لجمهورها الداخلي ولأذرعها الإقليمية المنهَكة رواية صمودٍ لا استسلام، وهي رواية لا تكتمل إلا بإبقاء التخصيب «حقاً» لم يُنتزع، حتى لو كان فعلياً مجمَّداً تحت الإشراف الدولي.
غير أن الفارق بين الحالتين جوهري: الأزمة الأميركية أزمة صورة، أما الأزمة الإيرانية فأزمة بنية. فحين يقول قائد «الحرس الثوري» الأسبق محسن رضائي إن في الاتفاق بنداً «لا يريد ترمب الإعلان عنه صراحةً»، فهو يعترف ضمناً بأن هناك ما يُخفى حتى عن الجمهور الإيراني نفسه، وهذا اعتراف أخطر من أي تسريبٍ معاكس، أما «حزب الله» والحوثيون وفصائل العراق، الذين هلَّلوا سابقاً لما سُمِّي «انتصاراً»، فقد وجدوا أنفسهم اليوم في مرمى بندٍ آخر: استمرار وقف إطلاق النار في لبنان مرتبط عضوياً بسلوك إيران الإقليمي، بينما تتصاعد الضغوط الإسرائيلية عليهم بشكل موازٍ لتفاوض طهران وواشنطن على مصيرهم وليس معهم.
وبين كل هذه التعقيدات، تبقى السيناريوهات المقبلة ثلاثة لا أكثر: الأول أن تنجح مفاوضات الستين يوماً في تفكيك جزءٍ معتبر من برنامج التخصيب مقابل رفعٍ تدريجي وحقيقي للعقوبات، فتدخل المنطقة في تهدئةٍ طويلة الأمد. الثاني أن تتعثَّر التفاصيل النووية كما تعثَّرت تفاهماتٌ سابقة، فيُعاد فتح ملف التصعيد العسكري من جديد، وربما بمشاركة إسرائيلية أوسع هذه المرة بعد تململها العلني من حدود الاتفاق. والثالث، وهو الأقرب إلى الترجيح، أن يبقى الوضع معلَّقاً في منطقةٍ رمادية: لا حربٌ كاملة ولا سلامٌ كامل، تُفتح فيها الموانئ وتُرفع بعض العقوبات بينما يبقى الملف النووي صندوقاً مغلقاً تتبادل فيه الأطراف تنازلاتٍ صغيرة كل بضعة أشهر، في نموذج تفاوضي يُشبه إدارة الأزمة أكثر مما يُشبه حلَّها.
وهنا موضع المقارنة التي تستحق التأمل: حين وقَّعت اليابان وثيقة الاستسلام على ظهر المدمرة «ميزوري» عام 1945، لم تُجمِّل الهزيمة، بل أقرَّت بها كاملةً، وحوَّلت تلك اللحظة القاسية إلى نقطة انطلاقٍ نحو نهضةٍ صناعية جعلت منها، في غضون عقدين، ثاني أكبر اقتصادٍ في العالم. لم تكن شجاعة اليابان في خوض الحرب، بل في مغادرتها من دون التباس؛ في القبول بواقعٍ جديدٍ والبناء عليه بدل البحث عن روايةٍ توازي الخسارة، وهذا بالضبط ما تفتقر إليه طهران اليوم: قدرة الإقرار بأن مرحلة الردع النووي والوكلاء الإقليميين كأداتَي قوةٍ استراتيجية قد انتهت، والانتقال نحو إعادة بناء الدولة على أساس اقتصادي وليس عسكرياً.
في النهاية، لا تحتاج هذه اللحظة إلى من يُعلَن فيها منتصراً، بل إلى من يملك الجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها. واشنطن حصلت على ما يكفيها من ضربةٍ عسكرية موجعة وتسويةٍ سياسية تُبقي يدها العليا في الملف النووي، وإيران حصلت على ما يكفيها من وقتٍ ومن نصٍّ مطّاطٍ يسمح لها بادِّعاء أنها لم تتنازل عن شيء، وبين هذين الكسبين الجزئيين، يبقى السؤال الحقيقي معلَّقاً: هل ستختار طهران، كما اختارت طوكيو يوماً، أن تستثمر تجربة الهزيمة في بناء المستقبل؟ أم ستظل تُدير الزمن بمنطق التأجيل، إلى أن تُفرض عليها تسويةٌ لا تملك فيها رواية لترويجها؟
