هل يسعفنا النقص لمواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي، من حيث إن الاصطناعي يبدو متقناً وكاملاً في حين أن الإبداع البشري مرتبطٌ بالحس بالنقص وليس بالكمال والتفوق، وكل حالةٍ إبداعية بشرية هي حالةُ انكشاف لنقص ما يتشكل في صيغة تحفيز للكاتب يجعله يتواجه مع نقصه، وبمقدار شجاعته في مواجهة النقص تكون إبداعيته. وهذا ينطبق أيضاً على حال القراءة، ونحن نقرأ لنكتشف المفقود عندنا ولنتذكر أمراً غائباً كنا نسينا غيابه ووجدنا نصاً يمنحنا نوعاً من الإحساس بأن النصّ يخاطب ذلك الشيء الذي فينا. وكل نص يحقق هذه الدهشة القرائية سيحقق درجات عليا من الاستحواذ وفتنته القراءة، ومن ثمّ فنقص الإنسان مزيةٌ بوصفها محفزاً إبداعياً كما تؤكد مقولة الإمام الغزالي بأن مزية العقل هي في قدرته على كشف عجزه، والحالة الإبداعية ليست إلا باباً يتفتح لمواجهة الفقد والتوق لشيء لم يتحقق، وفي الوقت ذاته هي حالة رغبة مكتومة في ألا يتحقق المطلوب، بما أن التحقق يقتل أول ما يقتل التوق لمفقودٍ ما. ومعجزات الذهن البشري تنبع من حسٍ حادٍ بأن شيئاً ما لم يكتشف بعد، وهذا هو السؤال الجذري للكدح البشري الذي تتوارثه عقولُ ووجداناتُ البشر. وأهم سماته أن كل منجز عظيم يهيّج رغبات لدى الآخرين لمنافسة هذا المنتج الفاتح للشهيات الذهنية. والدافع القوي لذلك كله هو الحس المتصل بالنقص.
والتحدي الإبداعي اليوم هو ما نتبادله من تخويف ذاتي من دور الذكاء الاصطناعي في إنتاج نصوص أدبية تبلغ درجات عالية من الإتقان ويتم ذلك بمجرد طلب بكتابة رواية أدبية مثلاً عن موضوع نحدده ونعطي مجموعة خصائص عامة له ويتولى الذكاء الاصطناعي تحقيق المطلب بمهارة تفوق مهارات البشر. وهذه ستكون ميزةً لهذا الذكاء المصطنع حسب الادعاء طبعاً. غير أن هذه الميزة هي نفسها العلة، فالإتقان ليس مزيةً إبداعية وإنما هو صنعةٌ، وقديماً ميزوا بين شعراء الصنعة وشعراء الفطرة والسجية، ولم يقع التمييز مذ ذلك الوقت لغير سبب جوهري، ويعود ذلك لرؤية ثاقبةٍ تعي أن البشر أصلاً مجبولون من طينة النقص والضعف والحاجة لغيرهم من بشرٍ آخرين أو من طبيعةٍ مساندةٍ ومتحدية في آن. وهذا هو الدافع لكي نبحث لأنفسنا عن مخارج تحرر نقصنا وتفتح لنا أبواباً نراها مغلقةً فإذا شرعنا في التحايل عليها فتحنا ثغرةً نلج منها ونقتحم العقبة، ولكن دون أن نبلغ الكمال. ولو بلغنا الحس بالكمال فسنقف عند نقطة المنتهى وهذه نهاية وليست حالة وصول.
وهنا نأتي للعيب القاتل في الذكاء الاصطناعي وهو ما يتحلى فيه من حس الإتقان المطلق ومن ثم الكمال، وذلك لأنه مصممٌ على الدقة المطلقة ويظل مطلبنا منه هو بلوغ أقصى غايات الفعل في أي مهمة نسندها له. وهذه مسألةٌ مهمةٌ في الأمور العملية والإجرائية، ولكن ليست في الأمور الفكرية أو الإبداعية. وإذا لم يبلغ الكمالية ظلت التجارب تتوالى عليه لكي ينجز مطلب الإتقان.
في حين أن كل إبداع حقيقي فإن أهم سماته هي في قلقه المتصل بأنه لم يقل ما يشفي، ولن يكتمل أي إبداع مهما كانت درجة إبداعيته. وكل مبدع مرهونٌ دوماً بحس مشاغب بأنه لم يقل بعد ما يريد قوله، ويظل عمره كله تحت الشعور بأنه لم يكتب نصه المبتغى بعد. ويموت وفي نفسه حسرةٌ تعني أنه يرحل دون أن ينجز ما في قلبه. وهذا حس لا يتمتع به غير الإنسان، لأنه في حقيقته ناقصٌ وفي الوقت ذاته يطلب الكمال ويلهث خلفه، وعلامة ذلك أننا دوماً نرى نواقص غيرنا وبرغبات جامحة لكشفها وربما التقليل من مقاماتهم بسببها، وفي الوقت ذاته نغفل عن نواقصنا كما هو معهودنا السلوكي. وهذا اللهاث هو جوهر المعنى الإبداعي، وهو لهاثٌ لا يقف عند المبدع المفرد، بل يتعداه إلى غيره من المبدعين الذين مهما أعجبهم شخصٌ ما ظلوا يبحثون عن منقصة عنده يطربون لكشفها ويتعالون بها عليه، فيما يبدو أنه مجرد غيرةٍ أو عداءٍ بين الأنداد. ولكنه في النهاية سيكون محفزاً إبداعياً يدفع الحساد والغيورين والخصوم لأن ينتجوا غير ما تحقق أمامهم.
وهذه هي حالة «التدافع» التي سخرها الله لنا لكي نظل في تنافس مستمر. ونحن كعرب ننظر للمتنبي على أنه أشعر شعراء العربية، لكن كل شعراء العربية لم يسلموا له بهذه المزية ولم يتركوها مطلقةً له، بل ظلوا يلهثون وراء القصيدة الشرود التي لم يقبض عليها شاعر مفرد قط. وتظل مطلباً غير متحقق ولو تحقق المطلب لانتهى الإبداع وختم بشكسبير عند الإنجليز وأبي الطيب عندنا ودانتي وطاغور في بيئاتهم. ولكن هيهات أن نقول ذلك وقد لمسها ابن قتيبة بذكاء نقدي لافتٍ حين قال إن أشعر الشعراء من أنت في شعره حتى تفرغ منه، أي أن شعرية الشعر لحظتها تهيمن عليك فتقول هذه غاية المنتهى، ولكنك ستدرك أنها لحظة مؤقتةٌ متى ما انتقلت إلى لحظةٍ غيرها حيث ستكتشف غير تلك التي أبهرتك واختارتك في لحظتها، وهذه مخاتلة إبداعية لا تتوفر إلا بحدوث الحس بالنقص وعدم بلوغ المنتهى.
وهنا نقول لا خوف على الإبداع لأن الإبداع ليس في الاكتمال والتشبع، بل في ثغرات تتفتح أمام البصيرة الخارقة وتدخل في قلق المعرفة، ولما تزل البشرية تنتج الحكايات والأشعار والنكت والألحان والرسومات ولم تشعر قط أنها بلغت الحد الأعلى، وكل قمة نصل إليها ستتحول لسفح ٍ ننطلق من فوقه نحو قمة لم تلُح لنا بعد. ونظل نجري رغبةً ورهبةً منا ولها، إلى أن تلوح لواحدٍ منا فيأتي بما لم تستطعه الأوائل أو يدعي لنفسه هذه الدعوى.
وسيظل الذكاء الاصطناعي ينتج نصوصاً تخدعنا وتخيفنا وتهدد مستقبل الإبداع كما يقول المرجفون، لكن الإبداع سيظل مبتغى مطروحاً الآن وللأبد. وستظل العقول تتحرر من قيد الصنعة وتجترح طرقاً للتمرد البشري وهذا هو سر العبقرية وليست الآلة إلا خادماً مادياً يخدم اللصوص وتجار البضائع وليس بديلاً إبداعياً.
وأخيراً فإننا مع الذكاء الاصطناعي في معركة تحفيزية حيث يتحدانا بالكمال ونتحداه بالنقص.
