علي العميم
صحافي ومثقف سعودي بدأ عمله الصحافي في مجلة «اليمامة» السعودية، كتب في جريدة «الرياض» وكتب في جريدة «عكاظ» السعوديتين، ثم عمل محرراً ثقافياً في جريدة «الشرق الأوسط»، ومحرراً صحافياً في مجلة «المجلة» وكتب زاوية أسبوعية فيها. له عدة مؤلفات منها «العلمانية والممانعة الاسلامية: محاورات في النهضة والحداثة»، و«شيء من النقد، شيء من التاريخ: آراء في الحداثة والصحوة في الليبرالية واليسار»، و«عبد الله النفيسي: الرجل، الفكرة التقلبات: سيرة غير تبجيلية». له دراسة عنوانها «المستشرق ورجل المخابرات البريطاني ج. هيوارث – دن: صلة مريبة بالإخوان المسلمين وحسن البنا وسيد قطب»، نشرها مقدمة لترجمة كتاب «الاتجاهات الدينية والسياسية في مصر الحديثة» لجيميس هيوارث – دن مع التعليق عليه.
TT

حضارة «ضيعة» أنيس فريحة

استمع إلى المقالة

على أهمية كتاب «حضارة في طريق الزوال: القرية اللبنانية» لأنيس فريحة وعلى ريادته في موضوعه، حيث إنه أول دراسة أثنوغرافية عن القرية اللبنانية، فإنه لم يحظ بتقديم عروض له ولا بتعليقات على بعض ما ورد فيه منذ صدوره في عام 1957، سوى عرض صغير كتبه محمد وهبي في مجلة «الآداب» في 1 فبراير (شباط) 1958، تضمن تحفظات نقدية. إن ما كتب عنه من تاريخ صدوره إلى يومنا هذا - إذا استثنينا ما كتبه محمد وهبي عنه - ليس أكثر من إشارات قصيرة له مع تثمين لموضوعه.

المثير للانتباه أن الذين تعرضوا لذكر الكتاب أخفقوا في تحديد جنسه أو هويته العلمية. فمن قائل بأنه دراسة اجتماعية إلى قائل بأنه دراسة أنثروبولوجية إلى قائل بأنه دراسة أثنولوجية.

الذي قال بأنه دراسة اجتماعية أظنه اعتمد على قول أنيس فريحة في مقدمة الكتاب: «كان غرضنا في الدرجة الأولى إثارة الموضوع وتبيان أهميته الاجتماعية آملين أن تؤدي إثارة الموضوع إلى ترغيب طلاب الاجتماع للمزيد من البحث والجمع على أسس أدق».

والذي قال بأنه دراسة أنثروبولوجية، قد يكون منشأ اللبس عنده أن الأنثروغرافيا فرع قديم من الأنثروبولوجيا، وأن جذورها نابعة من الأنثروبولوجيا الاجتماعية والأنثروبولوجيا الثقافية.

في أواخر القرن التاسع عشر بدأ علم الأثنوغرافيا، وكذلك علم الأثنولوجيا تدريجياً، يستقلان عن الأنثروبولوجيا التي كانت علماً نظرياً فيزيقياً، ثم اتسع هذا العلم في العقد الثالث من القرن العشرين. وبعد اتساع حقل الأنثروبولوجيا بدأت الأثنوغرافيا والأثنولوجيا تقتربان من الأنثروبولوجيا مرة أخرى.

والذي قال بأن الكتاب دراسة أثنولوجية، قال بهذا، نظراً للتداخل بين الأثنوغرافيا والأثنولوجيا. الأثنوغرافيا انفصلت عن الأثنولوجيا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. ويشترك هذان العلمان بأنهما معنيان بدراسة المجتمعات الصغيرة. الأثنوغرافيا تدرس كل مجتمع صغير على حدة دراسة ميدانية. والأثنولوجيا تدرسها دراسة نظرية تحليلية مع المقارنة بين ثقافة وثقافة أخرى.

مرد هذا اللبس والاختلاط في توصيف مادة كتاب «حضارة في طريق الزوال: القرية اللبنانية» توصيفاً دقيقاً أن من كتب عنه عرضاً قصيراً ومن أشاروا إليه إشارة قصيرة كانوا من المثقفين ولم يكونوا من المتخصصين في علم الاجتماع وفي علم الأنثروبولوجيا.

تعرضت المجتمعات العربية في مصر وفي بلدان شمال أفريقيا وفي بلدان الشام منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى دراسات أثنوغرافية كان روادها، كما في علوم أخرى، المستشرقون. بعضها عن الدين وبعضها عن المعتقدات الشعبية أو الدين الشعبي.

ففي الدين - على سبيل المثال - تعاون أدولف در مع الأب هنري لامانس في دراسة أثنوغرافية عن الدين النصيري. وألّف هنري غي كتابين عن الدين الدرزي.

وفي المعتقدات الشعبية أو الدين الشعبي كتبت ل. إينزلر عن المعتقدات الفلسطينية كالعين الشريرة. واشتركت مع إ. ابيلا في دراسة عن الاستخدام السحري لأسماء الله الحسنى. وكتب جولدزيهر عن العادات التقوية المتعلقة بالقديسين والأولياء.

ولتوفيق كنعان، الطبيب الفلسطيني، دراسات أثنوغرافية عديدة ميدانها المجتمع الفلسطيني، أغلبها باللغة الإنجليزية، والقليل منها باللغة الألمانية نشرها بمجلات استشراقية إنجليزية وألمانية. وقد بدأ هذه الدراسات في أول عقد العشرينات الميلادية. ومن هذه الدراسات «الينابيع المسكونة وعفاريت المياه في فلسطين»، و«الجن في بلاد الإنجيل»، و«اللعنة في الفلكلور الفلسطيني».

في قائمة مراجع كتابه باللغات الأجنبية، عاد أنيس فريحة إلى ست دراسات من دراسات توفيق كنعان. واحدة باللغة الألمانية والأخريات باللغة الإنجليزية.

العربي الآخر الذي رجع إلى كتاب له ضمن هذه القائمة، هو عفيف طنّوس، والكتاب هو كتابه «مجتمع القرية العربية في الشرق الأوسط» الصادر باللغة الإنجليزية عام 1944. وهذا الكتاب يقع من حيث صنفه ضمن نطاق علم الاجتماع الريفي، الذي كان عفيف طنّوس متخصصاً فيه.

امتدح محمد وهبي كتاب أنيس فريحة، فقال: «وبوسعنا اعتبار هذا الكتاب من الكتب الضرورية التي يحتاج إليها الفكر العربي الباحث. وهو في الواقع من أثمن ما يقدم لطلبة علم الاجتماع في بلادنا. والكتاب لا يمثل دراسة بالمعنى العميق للدراسة، من حيث البحث والتحليل والمناقشة والاستنتاج، وإنما قوامه الوصف: فهو يقدم صورة دقيقة مفصلة لشؤون محلية من المجتمع الذي يتناوله، ولذا فهو مادة غزيرة يجد فيها طالب علم الاجتماع ثروة يبني عليها بحثه وتحليله، ولعله أول كتاب عربي يظهر في هذا الباب».

يتضح من قول هذا أنه على غير علم بعلم الأثنوغرافيا، لا اسماً لا مضموناً. فهذا العلم ليس من شأنه التحليل والمناقشة والاستنتاج، وإنما غرضه الوصف المستند إلى بحث ميداني.

يختلف كتاب أنيس فريحة الأثنوغرافي (حضارة في طريق الزوال: القرية اللبنانية) عن الدراسات الأثنوغرافية التي ذكرت بعض الأمثلة لها، بأن غايته خلق هوية قومية لبنانية، ترتكز على طرق العيش وأسلوب الحياة الموروث في القرية اللبنانية وعلى مأثورها الشعبي، وعلى بنيتها الاجتماعية واحتفالاتها الجماعية، وعلى معمار البيوت فيها وعلى حقولها الزراعية المدرّجة.

عارض محمد وهبي أنيس فريحة في استعمال لفظة «حضارة»، فقال: «ثبت أن التاريخ لم يعرف لجميع شعوب الأرض أكثر من ثماني حضارات بالمعنى الدقيق هي حسب تحديد اشبنجلر الحضارات المصرية والبابلية والهندية والصينية والقديمة (اليونانية الرومانية) والعربية والمكسيكية».

ثم سلّم له ببعض ما قاله، فقال: «صحيح أن الحضارة كما يلاحظ المؤلف ليست العلوم والمعارف، ولكن هذه منها، وصحيح أن الحضارة على حد قوله هي الآلة أو الصنع والبناء والعمران بل يفيض مدلولها عن هذه المفاهيم. ولكن هذا لا يعني جواز استثناء هذه المفاهيم وإخراج العلوم من مدلول الحضارة».

لذا فإنه رأى أن في عنوان الكتاب شيئاً من التجاوز. وهو تجاوز رأى أنه لا يتفق والروح العلمية التي أحب المؤلف أن يضفيها على مباحث الكتاب.

يقول محمد وهبي: «ووجه التجاوز الذي يلمسه القارئ يقوم على اعتبارين: أولاً، أن الكتاب يتناول الفلكلور فقط، فهو إذاً لا يتناول حضارة ما، وإنما يتناول وجهاً حضارياً. ثانياً، أن الفلكلور الذي يعالجه الكتاب يختص بالقرية اللبنانية وحدها أي أنه جزء من شعب ولا يتناول شعباً بأكمله... وقد نقول إن هذا التجاوز جائز بدعوى ما قد يتطلبه العنوان أحياناً من المعاني الأدبية الجذابة ولكن المؤلف يقرن في العنوان لفظة (حضارة) بعبارة (في طريق الزوال)، فمعنى هذه العبارة يفيد تحديداً قاطعاً، إذ إن (الزوال) يشير إشارة واضحة إلى أن موضوع الكتاب هو حضارة بالمعنى الكامل ذات خصائص معينة مميزة، خصوصاً وأن ما سماه بـ(الفضائل اللبنانية)، واعتبره مادة الحضارة المقصودة ببحثه يمثل أموراً يعلم الناس أنها موجودة على وجوه مختلفة في الحضارة الإنسانية السائدة، وأنها ليست في طريق الزوال منها».

بعض ما قاله أنيس فريحة الذي سلّم محمد وهبي له به وفي الوقت نفسه ناقشه فيه، أراد أنيس فريحة منه تسويغ إطلاقه اسم «حضارة» على نمط حياة تقليدية قروية ثابتة وراكدة من قرون، مهددة - من وجهة نظره - من قبل «حضارة» أخرى، هي الحضارة الغربية بالتغيير والتطوير والتحديث والذي يسميه هو زوالاً!

وزيادة في التسويغ كتب تحت لفظة «حضارة»: «رغم أن بعض الكتاب المحدثين أخذوا يفرقون بين حضارة وثقافة على أساس أن الحضارة تقابل لفظة (Civilization) وثقافة (Culture)، فإنني أوثر إطلاق لفظة الحضارة على الناحية الروحية من المدنية. وذلك لأنني أشعر أن عامة الناس من العرب يقرنون لفظة ثقافة ومثقف بمعنى التعلم والمتعلم أي الذي دخل مدرسة. التعلم من الحضارة ولكنه ليس الحضارة».

ما الصلة المنطقية بين أول الكلام وهو التفرقة بين الحضارة والثقافة وبين خاتمته، وهو قرن عامة الناس من العرب لفظة ثقافة ومثقف بالمتعلم الذي دخل مدرسة. هذا إضافة إلى أن دعواه الشعورية غير صادقة. فعامة الناس من العرب - ولا أظنه يقصد بهم العوام الأميين - يفرقون بين المثقف وبين المتعلم.

خاتمة كلامه في الهامش ختمها بمغالطة «ليسية»، وهي التعلم ليس الحضارة لكنه من الحضارة والتي أكمل بها مغالطاته التي بدأ فيها كلامه في أول صفحة من متن الفصل الثاني المعنون بـ«الفضائل اللبنانية»، وزبدتها: «العلوم والمعارف» ليست هي الحضارة لكنها من الحضارة. «الآلة» ليست هي الحضارة لكنها ناحية منها. «الصنع والبناء والعمران» ليست هي الحضارة لكنها نواح من الحضارة.

وهذه المغالطات حبكها «كرمال عيون» «حضارة» قريته، قرية رأس المتن.

للفظتا «ثقافة» و«حضارة» تاريخ طويل في اللغات الأوروبية ومر عليهما طور كان يستعملان بمعنى واحد. وأتى عليهما طور استدعى التمييز بينهما. فأطلق اتجاه على الإطار المادي كالصناعة والبناء والعمران والتقنية والعلوم والمخترعات حضارة، وأطلق على الجانب العقلي والديني والروحي والنظم الاجتماعية والأخلاقية والمعتقدات والأساطير، ثقافة.

وعكس اتجاه آخر هذا التقسيم. أي أن أنيس فريحة يفضّل ما قال به الاتجاه الآخر. إن أنيس فريحة يفضل إطلاق لفظة «حضارة» على الناحية الروحية من المدينة.

في اللغة العربية الحديثة ترجمت لفظة «Civilization» إلى «مدنية» وإلى «حضارة». فـ«الحضارة» و«المدنية» في اللغة العربية الحديثة تشيران إلى معنى واحد. وكذلك هو الحال في لفظتي «التحضر» و«التمدن». والترادف بينهما في المعنى مستعمل عند ابن خلدون.

ولفظة «مدنية» مشتقة من لفظة «مدينة» وتحيل إلى سكان المدن. و«التمدن» يعرفه كتاب «المعجم الوسيط» بقوله: «عاش عيشة أهل المدن وأخذ بأسباب الحضارة».

يقول قسطنطين زريق في كتابه «في معركة الحضارة»: «أما كلمة (Civilisation) الفرنسية أو (Civilization) الإنجليزية فمشتقة كذلك من اللاتينية: من (Civis) أي المدني أو المواطن في المدينة».

أظنه لم ينتبه لهذه المشكلة التي خلقها لنفسه باستعمال لفظة «مدنية». فـ«مدنية» في أصلها العربي وفي أصلها اللاتيني ليست مشتقة من لفظة «ضيعة» اللبنانية، ولا تحيل إلى سكان «الضيعة». وللحديث بقية.