سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

بالنظام

استمع إلى المقالة

منذ قيامِ لبنان وكثيرون يعترضون على نظامِه... إنه نظامٌ غيرُ قابل للحياة، مملوءٌ بالعلل والخلل ولن يحيا دولةً إلا إذا مات (أو قُتل) نظاماً. وأصحابُ هذا الرأي الطافح، داخل لبنان وخارجه، كانوا لا يريدون بلداً حاضناً للجميع، منفتحاً على الحريات، وملتقى للشرق والغرب.

الذين رفضوا «النظامَ» اللبنانيَّ كانوا في غالبيتهم غيرَ لبنانيين، ومنهم: الناصريون، ثم المقاومةُ الفلسطينية، ثم سوريا. في كل مرحلة من هذه المراحل حاولتْ قوةٌ من هذه القوى تدميرَ النظام، وإقامةَ حكم استبدادي يرفض ما سبقه ويعدم ما يليه. لكن النظامَ الهشَّ صمد على نحو غريب، ورغم كلِّ التنكيلِ والغزواتِ والتخوينِ والتحقير، فإن تقاليدَه الدَّوْلَتِيَّةَ ظلت من أفضل المعروف: القضاء، والصحافة، والدبلوماسية، وصورة العدالة، وتعميق الثقافات...

وكنا نردُّ على الذين يطالبون بإلغاء النظام بأنه يجب تغييرُ الذين أساءوا حَمل أمانته والذين أساءوا الاختيار، أما النظامُ والدستورُ والميثاقُ الوطني فهي نصوصٌ مأخوذة من أرقى الدساتير. ورغم الأزماتِ التي راحت تضرب الحكم، فإن الهيكلَ الدستوري ظل أشبهَ بنموذجٍ راقٍ في مُتحف من الهشاشة والاستبداد، وظل النص أقوى من علل النقص. وكان الدستورُ يَقوى عندما يَضعُف الدستوريون.

عندما بدأت المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن الثلاثاء الماضي، اكتشفنا من جديد أننا أهلُ نظامٍ نادرٍ في العالم الثالث... رئيسةُ الوفد امرأة. وهذه السيدةُ المرأةُ درزيةٌ مسلمةٌ متزوجةٌ من مسيحي. ماذا يستطيع النظامُ أن يقدم للعالم أفضل من هذا النموذج المتعدد، مقابل وفد لا يزال يتحدث لغة العُنْصُر؟

طبعاً لم يَخطر على بال أحد أن يُرسم تشكيلُ الوفد اللبناني بسائر ألوان الوطن والدولة. لكن المصادفةَ خيرٌ من الميعاد، والعلةَ في النفوس لا في النصوص. لقد أَوْكَل «النظامُ» إلى سيدة أعقدَ المهام وأصعبَها، وهي من أقلية طائفية، ورشح سيدةً درزية أيضاً للأمانة العامة للأمم المتحدة، ولا يزال ينتخب رئيسَه كل 6 سنوات.