تؤكد أحدث البيانات الصادرة عن الحكومة الأميركية بشكل لا لبس فيه حقيقة كانت معروفة للجميع: لقد شهدت أسعار معظم السلع مثل البنزين والملابس والفواكه والخضراوات، ارتفاعاً حاداً خلال الشهر الماضي وحده. على وجه التحديد، ارتفع متوسط تكلفة كل ما نشتريه بنسبة 3.3 في المائة، مقارنة بالعام الماضي، ما يتجاوز بكثير الارتفاع المسجل الشهر الماضي، والبالغ 2.4 في المائة. وبالتأكيد، هذه الأرقام شديدة الضخامة، وتشكل أكبر قفزة في شهر واحد منذ وقوع الجائحة.
ولا شك أن الاضطرار إلى دفع هذا المبلغ الإضافي مقابل الأشياء التي نحتاج جميعاً إلى شرائها أمر خطير؛ فقد قضت هذه القفزة على معظم الزيادات في الأجور، التي حققها العمال خلال العام الماضي. وتأتي هذه الزيادة فوق الأسعار المرتفعة بالفعل، التي جعلت الوضع الاقتصادي برمته يبدو شديد القسوة. والحقيقة أن لدى الناس أسباب وجيهة للشعور بالاستياء.
ومع ذلك، تبقى هذه الارتفاعات، حتى الآن، مجرد ارتفاعات لمرة واحدة استجابة للحرب في إيران، وتبدو مشابهة للطريقة التي ارتفعت بها الأسعار، عندما فرض الرئيس ترمب تعريفاته الجمركية، التي يبدو الآن أنها قد استقرت إلى حد ما. وليس ثمة ما يدعونا للاعتقاد بأننا عدنا إلى أيام التضخم طويل الأمد والساحق، الذي ترتفع فيه الأسعار أكثر فأكثر دون أن تلوح نهاية في الأفق.
في جوهره، التضخم معدل التغير من شهر إلى آخر. لذا، إذا ارتفعت الأسعار، ثم استقرت عند هذا المستوى، فإن التضخم يعود إلى ما كان عليه من قبل. قد يبدو هذا تمييزاً أكاديمياً، لكنه مهم، لأن إبطاء وتيرة التضخم مهمة الاحتياطي الفيدرالي. ورغم أن أدواته يمكن أن تكون فاعلة، فإنها في الوقت ذاته قد تكون غير سارة إلى حد كبير. في هذه الحالة، سيكون خفض هذه الأسعار المرتفعة أسهل بكثير: كل ما يتطلبه الأمر أن يرفع الرئيس ترمب الرسوم الجمركية، وينهي الحرب، ويعيد حركة المرور عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها. الأمر بسيط، أليس كذلك؟
السؤال إذن - سؤال يهم الاقتصاديين وعامة الناس على حد سواء، وهم يضغطون على أسنانهم بينما يستخدمون بطاقاتهم الائتمانية: هل ستبقى هذه الأسعار مرتفعة، أم سترتفع أكثر، أم ستتراجع إلى مستوياتها الطبيعية؟
إذا بدا أي من هذا مألوفاً، فربما لأننا كنا نفكر في الاحتمالات نفسها عام 2021. خلال جائحة كوفيد-19، دفعت عوامل متعددة - بما في ذلك الضرر الذي لحق بسلسلة التوريد، والسيولة التي ضختها الحكومة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي - الأسعار إلى الارتفاع بشكل مطرد. ومع ذلك، أصرت معظم الأصوات البارزة على أن التضخم، بتعبير العصر، كان مؤقتاً. ولم ينحسر التضخم إلا عندما تخلى الاحتياطي الفيدرالي عن هذا الرأي، ورفع أسعار الفائدة بسرعة، وأبطأ نمو سوق العمل.
اليوم، نقف أمام لحظة مختلفة تماماً؛ فمعدل التضخم البالغ 3.3 في المائة هذا الشهر أقل بكثير من ذروته البالغة 9 في المائة التي سُجّلت عام 2022. علاوة على ذلك، يتضمن هذا المعدل (3.3 في المائة) ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة - تكاليف مهمة دون شك، لكنها عادةً ما تكون متقلبة للغاية، بحيث لا تُشير إلى اتجاهات عامة. في الواقع، تُراهن أسواق العقود الآجلة، اليوم، على أن سعر البنزين سينخفض إلى أقل من 4 دولارات للغالون خلال الأشهر المقبلة.
تاريخياً، أثبت معدل التضخم «الأساسي»، الذي لا يشمل الغذاء والطاقة، أنه مؤشر أفضل بكثير على اتجاه التضخم. الآن، يبلغ هذا المعدل 2.6 في المائة فقط، أعلى قليلاً مما نتمناه جميعاً، لكنه ليس مقلقاً على الإطلاق. جدير بالذكر أنه بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، ارتفع التضخم الأساسي إلى 6.5 في المائة.
بالإضافة إلى ذلك، تتميز سوق العمل بسيولة نسبية، ويفوق عدد العاطلين عن العمل الباحثين عن وظائف عدد الشواغر المتاحة. ويشهد نمو الأجور تباطؤاً حسب العديد من المؤشرات.
إذن، ما العمل الآن؟ يساور القلق الناس حيال القدرة على تحمل تكاليف المعيشة؛ التي تراكمت على مدى عقود دون حلول سريعة. في المقابل، برزت المشاكل الناجمة عن الرسوم الجمركية والصراع الإيراني بوتيرة أسرع بكثير، ويمكن حلها بالسرعة نفسها، لكن ليس من قِبل الاحتياطي الفيدرالي، خاصة أن رفع أسعار الفائدة، الإجراء المعتاد لدى الاحتياطي الفيدرالي لمكافحة التضخم، سيؤدي على الأرجح إلى ارتفاع معدلات الرهن العقاري وزيادة معدلات البطالة، وكلاهما غير مرغوب فيه، بل وغير ضروري في هذه الحالة. في الواقع، ينبغي للاحتياطي الفيدرالي أن يكون على استعداد لخفض أسعار الفائدة، إذا شهدنا ارتفاعاً في معدلات البطالة.
من المنظور الاقتصادي، يكمن الخطر الأكبر، في الوقت الراهن، في أن يقرر المستهلكون والشركات، رغم الأدلة، أننا نتجه بالفعل نحو موجة تضخم طويلة الأمد. وتتحول هذه المخاوف إلى نبوءات تحقق ذاتها، بحيث تدفع الشركات إلى رفع الأسعار والأجور، لمجرد توقعها أن يفعل الآخرون المثل. في الوقت الراهن، قد يكون صحيحاً أننا سنكون جميعاً بخير إذا لم ندع مخاوفنا تسيطر علينا. أو كما قال رئيس آخر أيام الكساد الكبير، إنه فيما يتعلق بأرقام التضخم المخيفة لهذا الشهر، فإن الشيء الوحيد الذي يجب أن نخشاه، الخوف نفسه.
* خدمة «نيويورك تايمز»
