إميل أمين
كاتب وباحث مصري مختص في الشؤون الدولية. ألف عدداً من الكتب والدراسات في الشؤون السياسية.
TT

زيارة لـ«البريسترويكا» بعد أربعة عقود

استمع إلى المقالة

في الثامن من أبريل (نيسان) من عام 1986، أي قبل أربعة عقود، استخدم الأمين العام للحزب الشيوعي ميخائيل غورباتشوف كلمة «بريسترويكا» لأول مرة في سياق الحديث عن سياسة الدولة، وسرعان ما صار هذا المصطلح شاملاً لكل الإصلاحات التي نُفّذت في الاتحاد بين عامي 1985 و1991.

في حديث له مع زوجته رايسا عشية انتخابه أميناً عاماً، مال غورباتشوف على أذنيها هامساً: «لا يمكن أن تستمر البلاد في الطريق ذاته الذي بدأ قبل قرابة سبعة عقود».

وفي المؤتمر السابع والعشرين للحزب الشيوعي عام 1986، أطلق الرجل الحالم شعاري «البريسترويكا» أي إعادة البناء، و«الغلاسنوست»، أي الانفتاح.

لاحقاً، دشنَّ حملة من أجل هذه التغييرات عبر جلسة كاملة مهمة للجنة المركزية في يناير (كانون الثاني) 1987، وبالدعوة إلى انعقاد أول مؤتمر خاص للحزب الحاكم طوال قرابة نصف قرن في يونيو(حزيران) 1988، وقد مهّد ذلك للانتخابات التي جرت دون تزييف في ربيع 1989.

أدخل غورباتشوف خلال نحو أربع سنوات خمسة تغييرات جذرية في مسيرة الاتحاد السوفياتي، فقد فتح باب حرية التعبير، بعد أن كانت الرقابة جزءاً لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية والسياسية في روسيا لقرون. كان تخفيف الرقابة الركيزة الأساسية لسياسة «الغلاسنوست». تالياً، فتح الطريق أمام السوق الحرة، عبر انتهاج اللامركزية الاقتصادية.

مهَّد الأرض لانتشار الثقافة الغربية، من أفلام تعرض وروايات غربية تقرأ، وصحف تستورد.

وفي الوقت عينه، اتبع سياسة الحدود المفتوحة، بعد أن كانت مسألة السفر إلى أوروبا الغربية، ناهيك عن الولايات المتحدة الأميركية من رابع المستحيلات، ومن يبتسم له الحظ لا يتجاوز حدود دول أوروبا الشرقية. أما التغيير الجذري، فتمثل في بسط مفهوم الملكية الخاصة، حيث أعيد إقرار الملكية الخاصة عام 1990، ومنذ ذلك الحين، سعى ملايين الروس جاهدين لتحويل أهم أصولهم، أي شققهم السكنية إلى ممتلكات خاصة، بعد أن ظلت طوال الحقبة السوفياتية مِلكاً للدولة.

اليوم، وبعد أربعين سنة من مبادرة أو مغامرة غورباتشوف لا يزال السؤال الحائر السائر الدائر: «هل حملت الحركة إصلاحاً للاتحاد السوفياتي أم أنها كانت سبباً رئيساً في كتابة شهادة وفاته؟».

بالرجوع إلى استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجراها مركز «ليفادا» الروسي للتحليلات، يبدو واضحاً أن هناك اختلافاً قائماً سواء من حول طرح «البريسترويكا» عينه، أو بشأن غورباتشوف نفسه، الرجل الذي لم توفره سهام التخوين، ونسجت من حوله أحاديث المؤامرة، واعتباره من قِبل كثيرين لا سيما من جماعة السيلوفكي الروسية الحالية، كعب أخيل الغرب، الذي تكفل بسقوط الستار الحديدي الشيوعي، ومن غير أن يتكبد الـ«ناتو» عناء إطلاق رصاصة واحدة.

ولعله من نافلة القول أن «البريسترويكا» لم تلبّ سوى تطلعات وآمال شريحة من المجتمع السوفياتي، تلك التي تطلعت لفضاءات التعبير، وحرية الضمير، المنافسة السياسية الحرة، والانفتاح على العالم الخارجي.

أما الأغلبية فكانت تطمح إلى أشياء مختلفة تماماً عن منظور غورباتشوف، مثل حل المشاكل الاقتصادية وتحسين مستوى معيشتهم.

يذهب ثلثا الروس اليوم إلى أن إصلاحات غورباتشوف ألحقت ضرراً أكثر من نفعها، وأن الوضع كان سيكون أفضل لو بقيت الأمور في البلاد على ما كانت عليه قبل دعوته الطوباوية.

بينما الثلث الباقي، من مؤيديه، يقطعون بأن «البريسترويكا» أدت في نهاية المطاف إلى الازدهار الاقتصادي، لا سيما بعد تحرير الأسعار من قبل حكومة غايدار في يناير 1992، ووقتها عادت السلع إلى الرفوف في المتاجر، وتراجع خطر المجاعة، وبدأ الناس من وقتها يعيشون حياة أفضل، وأخذت البلاد في التطور وشيوع مزيد من الحريات الداخلية غير المسبوقة منذ زمن الثورة البلشيفية.

اليوم، لا يزال إرث غورباتشوف يثير مشاعر متناقضة بين مؤيديه ومعارضيه على حد سواء، فعلى سبيل المثال، من بين من يقولون إن «البريسترويكا» ألحقت ضرراً أكثر من نفعها، نصفهم فقط يرغب في العودة إلى ما كان عليه الوضع قبلها.

والعكس صحيح، فمن بين من يقولون إن غورباتشوف «لعب دوراً إيجابياً مهماً في التاريخ السوفياتي»، نصفهم فقط يعتقد أن «البريسترويكا» حققت نفعاً أكثر من ضررها.

وفي كل الأحوال، يمكننا القطع بأن غورباتشوف فتح بوابة لواحدة من أهم وأخطر التحولات الجيوسياسية في القرن العشرين. لكن ما لم يدركه وقتها، هو أن النظام السوفياتي لم يكن مجرد اقتصاد أو حزب، بل كان بنية مكتملة من السيطرة السياسية والأمنية والآيديولوجية، وعندما بدأ تفكيك هذه البنية جزئياً، لم يكن ممكناً إيقاف العملية؛ ولهذا يجوز لنا القول إن «البريسترويكا» كانت مشروع إنقاذ وبداية انهيار في الوقت ذاته.