الصحافي الأميركي الأشهر بوب وودورد منذ مصاحبته للآخر الذي لا يقل شهرة كارل بيرنستين في تغطية فضيحة «ووترغيت» ونشر كتاب «كل رجال الرئيس»؛ فإنه ظل ملازماً للكتابة الصحافية في «واشنطن بوست» ونشر الكتب عن الرؤساء منذ عهد ريتشارد نيكسون، وخصوصاً عن الحروب التي خاضوها.
الرئيس دونالد ترمب لم يكن استثناءً من هذه القاعدة، فكتب وودورد عنه أثناء ولايته الأولى (2017 - 2021) تحت عنوان «الخوف» و«الغضب» و«حرب». والمرجح أنه سيكتب عن ترمب وحرب فنزويلا وحرب أوكرانيا والحرب الجارية الآن في الشرق الأوسط التي باتت حرب إيران.
الكاتب جعل الرئيس الأميركي ومؤسسة الرئاسة المركز في كتبه، وهو نوع من «الشخصانية» التي كثيراً ما تجاهلها المؤرخون الذين وجدوا في الخصائص الأخرى للدولة والبيئة الاقتصادية والاجتماعية والدولية ما يدفع نحو الحرب.
هذا المقال لن يقوم مقام ما سيفعله وودورد، وإنما سينظر إلى المسؤولية التي يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في حرب إيران الواقعة الآن. ومن المعلوم أن هذه ليست أولى الحروب، فقبل نشوب حرب إيران كان ترمب قد خاض حرب فنزويلا، وتجنب الحرب في غرينلاند التي كان عازماً على غزوها أو شرائها، وغامر بالتدخل في حرب أوكرانيا من خلال السعي نحو مفاوضات لم يُقدَّر لها النجاح. المسار ذاته كان في السعي نحو السلام في «حرب غزة الخامسة» عن طريق وقف إطلاق النار في إعلان جرى التوقيع عليه في شرم الشيخ المصرية ومبادرة سلام من 20 نقطة يقوم بها «مجلس السلام» تحت قيادته.
الحرب الحقيقية التي خاضها ترمب كانت الحرب الإيرانية التي بدأت بالدبلوماسية التي تحيط بها الضغوط المتولدة عن العقوبات الاقتصادية السابقة واللاحقة التي ركزت عليها الإدارة الأميركية؛ والحشد الكبير للقوة العسكرية المتجسدة في حاملتين للطائرات وتوابعهما، مع الإعلان عن حاملة طائرات ثالثة في الطريق.
لم يخلُ المسار الدبلوماسي من التضليل الذي جرى في مسقط العمانية، حيث كان التركيز على السلاح النووي الإيراني، ومع ذلك فقد اخترق التحالف الأميركي - الإسرائيلي أجواء المفاوضات يوم 28 فبراير (شباط) 2026 لتوجيه ضربات كثيفة للمواقع العسكرية والنووية الإيرانية. في اليوم ذاته، وفي الضربة الأولى، جرى التخلص من المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي ومعه 43 من القيادات العسكرية والسياسية والأمنية.
لكن الحرب بدأت فعلياً في يونيو (حزيران) الماضي، وبدأت بما عُرف بـ«حرب الـ12 يوماً» التي شهدت تدمير المواقع النووية الإيرانية. استمرت الحرب بعد ذلك طوال عام 2025 آخذة شكل الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل؛ بينما كان الرئيس ترمب عازماً على اعتبار نفسه منتصراً في الحرب ومانعاً تطوير إيران لسلاحها النووي.
لم يكن الرئيس قاطعاً في تحديد أهداف الولايات المتحدة من الحرب، وبعد أن كان وقف البرنامج النووي هو الهدف الأسمى، فإنه بات الرد على ما اعتبره عدواناً إيرانياً على الأميركيين راجعاً إلى أزمان ماضية في مبنى السفارة الأميركية في طهران ومقر المارينز في بيروت.
أحياناً، عكف الرئيس على هدف المطالبة بالديمقراطية وحقوق الإنسان في إيران. ما دفع ذلك إلى المظاهرات التي نشبت في إيران ودفعت ترمب لكي يؤكد تأييده لما رفعه المتظاهرون من شعارات، وأضاف إليها أنه سيقدم المساعدة التي ستأتي بالسرعة الواجبة.
هذا الهدف الديمقراطي كان مناقضاً لأهداف حركة «ماغا» الداعمة له والتي لا تسعى فقط لجعل أميركا عظيمة مجدداً، وإنما أيضاً منعها من قلب نظم الحكم وتغييرها في الدول الأخرى. ورغم أن الحرب بعد دخولها إلى عام 2026 كانت تعبّر عن اختلال توازن القوى بين إيران والتحالف الأميركي - الإسرائيلي، فإن واقع الحرب دفع إلى السطح الاستراتيجية الإيرانية التي نجحت في تفادي آثار قتل القيادات العسكرية والسياسية، بالعمل على إطالة أمد الحرب ودفعها نحو أشكال من الاستنزاف.
خلال هذه الفترة كان شائعاً كثيراً أن الرئيس ترمب سيكون قادراً دائماً على أن يعلن النصر في الحرب ضد إيران ثم ينتقل إلى جبهة أخرى، سواء كانت في غرينلاند أو كوبا. الجولة الجديدة شهدت انتقال المبادرة في الحرب إلى إيران التي دفعت أولاً في اتجاه العدوان الغاشم المباشر على دول مجلس التعاون الخليجي العربية بهدف تحقيق أزمة اقتصادية عالمية، وثانياً إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية فيما عدا إيران ذاتها، وثالثاً دفع الميليشيات التابعة لها في العراق ولبنان إلى المشاركة في القتال عن طريق تدمير مصادر الطاقة وموانئها. في داخل الولايات المتحدة لم يعد إعلان النصر في متناول يد ترمب، ولا تحقيق الاستسلام الإيراني الكامل كذلك.
