علاء شاهين صالحة
صحافي لبناني. عمل مديراً لتحرير وكالة «بلومبرغ» في الشرق الأوسط وأوروبا. يشغل حالياً منصب مدير التدريب وتطوير المحتوى في «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام».
TT

كيف يقرأ «المتفائل المرهق» إعلان ترمب عن مفاوضات إيران؟

استمع إلى المقالة

القفز من «تعليق» مؤقت لاستهداف منشآت الطاقة الإيرانية إلى الاستنتاج بقرب نهاية الحرب يعكس تفاؤلاً يُحسد أصحابه عليه بعد الأسابيع التي مرت بها المنطقة والعالم.

لا أقول ذلك لأن التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار بعد مهلة الأيام الخمسة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين غير ممكن. كل شيء ممكن مع ترمب، وهو ما يفسر «تنهيدة الارتياح» التي أطلقتها أسواق المال، والتي طالت كل شيء من الأسهم إلى السندات في أميركا والعالم مع تراجع أسعار النفط. حتى الذهب، الذي شكل تراجعه الحاد خلال الحرب طعنة في قلب مبدأ «الملاذ الآمن»، قلّص بعضاً من خسائره.

لكن التقلبات المتكررة في مواقف الرئيس الأميركي، تعني إمكانية أن يغيّر رأيه سريعاً. كما أن قراءة سريعة في تصريحاته وما تسرّب عن المفاوضات كفيلة بزرع ما يكفي من الشك، وإثارة تساؤلات حول ما إذا كان الرجل يحاول شراء مزيد من الوقت لحل معضلة «مضيق هرمز»، التي يصفها المستثمر الشهير راي داليو بـ«المعركة الحاسمة». فمن دون القدرة على فتح الممر أمام حركة الملاحة لتأمين إمدادات النفط، لا يمكن للولايات المتحدة أو إسرائيل إطالة أمد الحرب بما فيه الكفاية.

لو كان ترمب أعلن عن وقف مؤقت لإطلاق النار، لكان هذا التحليل أكثر تفاؤلاً. غير أن استمرار العمليات العسكرية (مع تجنب أهداف الطاقة) يتيح لإسرائيل فرصة توجيه ضربات قوية للنظام الإيراني قد تنسف المحادثات، أو أن يأتي هذا التصعيد من جانب طهران. هنا يبرز أيضاً النفي الإيراني الرسمي لرواية ترمب، الذي قد يكون محاولة لحفظ ماء الوجه، أو رد فعل لأجنحة تفضّل استمرار الصراع حتى النهاية عن اتفاق فيه خضوع للإرادة الأميركية.

ذلك أن الشروط التي أوردها موقع «أكسيوس» عن التحضيرات الأميركية لمحادثات محتملة (قبل إعلان ترمب)، ستكون عسيرة الهضم على نظام حوّل مواجهة أميركا وإسرائيل إلى سبب لوجوده. جاء من بين تلك الشروط وقف برنامج الصواريخ الباليستية لـ5 سنوات، وإنهاء تخصيب اليورانيوم وفرض سقف لمدى الصواريخ لا يتجاوز 1000 كيلومتر، بالإضافة إلى الامتناع عن تمويل أي من الجماعات الموالية له في المنطقة مثل «حزب الله» في لبنان وميليشيا «الحوثي» في اليمن.

الشروط الإيرانية ليست سهلة هي الأخرى، ولعل أكثرها صعوبة هو الإصرار على ضمانات بعدم تكرار الحرب، وهو ما قد يكون أسهل على الولايات المتحدة من إسرائيل، التي برزت فيها أصوات فور إعلان ترمب تدعو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى العمل على إفشال الاتفاق. هل يمكن أن يقبل النظام الإيراني شروطاً تغيّر من هويته؟ هل يمكن تصديق التعهدات الإسرائيلية؟

الإجابة تختلف حسب المتلقي. تبدو أسواق المال مستعدة لقبول تصريحات تشير إلى اقتراب الحرب من نهايتها لإيقاف نزيف الخسائر. تصديق هذا أسهل من السيناريو البديل، وهو أن يستمر الصراع لأسابيع وأشهر طويلة بما يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية قد تتجاوز في حدتها وتأثيرها تلك التي أعقبت حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 والثورة الإيرانية بعد ذلك التاريخ بـ6 أعوام.

هل هذا هو ما دفع ترمب أيضاً للتهدئة وتفضيل التوصل لاتفاق بدلاً من تصعيد يدفع بالجميع إلى حافة الهاوية؟ لا يمكن استبعاد هذا الاحتمال، خصوصاً بعد وصول أسعار الطاقة إلى مستويات مقلقة سياسياً، وتصريحات رئيس «الاحتياطي الفيدرالي الأميركي» التي رفض فيها التقليل من شأن أثر الحرب على التضخم. كما أن الاعتقاد السائد عند العديد من الناس (وأنا من بينهم، وإن كانت شكوكي في تزايد مستمر) هو أن الرجل الذي اكتسح الانتخابات الرئاسية مستعيناً باستياء الناخبين من معالجة إدارة بايدن لملف الأسعار لن يسمح لهذه الأزمة أن تطول إلى درجة تقضي معها على حظوظ الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس النصفية.

لكننا الآن أمام تحدٍ حقيقي. فمن جهة، لا يمكن التقليل من شأن تصريحات الرئيس الأميركي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتحليل تطوّر وأثر حرب هو من أطلقها. ومن ناحية أخرى، يغيّر الرجل من موقفه بدرجة تجعل من الصعب أن تبني عليها سيناريو واضحاً؛ فتارة نراه مستعداً لإنهاء الحرب في القريب العاجل، ثم رافضاً لأي اتفاق قبل استسلام إيران التام تارة أخرى.

الخلاصة هي أنه من الأفضل الاستناد إلى مؤشرات إضافية للتنبؤ بمسار الصراع، من بينها ما إذا كان النظام الإيراني سينهي اعتداءه المتكرر على دول الخليج، ومراقبة التصعيد العسكري الإسرائيلي والإيراني المتبادل. التطورات في مضيق هرمز أساسية أيضاً، ولكن مع وضع ما قاله ترمب بأنه قد يتقاسم السيطرة عليه مع إيران مستقبلاً في نفس خانة تصريحه الأسبوع الماضي بأن «مضيق هرمز سيعيد فتح نفسه بنفسه»!