مصطفى فحص
كاتب وناشط سياسي لبناني. حاصل على الماجستير في الدراسات الإقليمية. خبير في السياسة الخارجية لروسيا بالشرق الأوسط. متابع للشأنين الإيراني والعراقي. وهو زميل سابق في «معهد العلاقات الدولية - موسكو (MGIMO)». رئيس «جائزة هاني فحص للحوار والتعددية».
TT

عن فيشي والمقاومة والتنصّل من المسؤولية

استمع إلى المقالة

يدفع «حزب الله» جموعَ محازبيه ومناصريه ومؤيديه من نخبٍ سياسية أو إعلامية أو ثقافية إلى صياغة سرديات تبريرية للمواجهة الحاليّة، مناقضة للواقعين السياسي والعسكري في لبنان ما قبل موقعة الصواريخ الستة، غايتها أمران:

الأول، التنصل من المسؤولية أمام الجماعة الشيعية، المتضرر الأكبر من «حرب الانتحار» التي دفعتها إيران إليها، والرد على موجة الانتقادات الضخمة التي يتعرض لها من مختلف الجماعات اللبنانية والقوى الحزبية والشعبية نتيجة مغامرته المدمّرة.

أما الأمر الثاني، فهو تحميل الدولة مسؤولية أفعاله، وخصوصاً الحكومة، وتحديداً رئيسها نواف سلام.

في التعميم الحزبي أو الشعبوي الذي تعتمده قيادة الحزب تبرز مقارنة حكومة سلام بحكومة الجنرال فيشي الفرنسية زمن الاحتلال النازي. وهي مقارنة سياسية حادة وظالمة تُستخدم كأداة تعبئة ضد سلام وتشويه دور حكومته في إدارة الأزمة، وذلك من خلال اعتماد تشبيه دعائي لا يستند إلى مقاربة تاريخية حقيقية بين الحالتين.

في زمن الشعبوية والتخوين والدعاية المناقضة للحقيقة تحوّلت حكومة فيشي إلى وجبة يومية تُؤكل على الإفطار أو في السحور. وقد يكون «الجنرال فيشي» موجوداً في الحصص الغذائية التي يأخذها الحزب من الحكومة ويوزعها باسمه على النازحين، وفي الوقت نفسه يتهم الحكومة بالتقصير. وليس مستبعداً أن يخرج «الخائن فيشي» من ملفات الفساد التي يحتفظ بها نواب الحزب إلى يوم الدين، أو أن يُقدَّم في مؤتمراتهم الصحافية التي يتخللها التهديد والوعيد كما حصل لفيشي بعد تحرير فرنسا. حتى لم يعد مستبعداً أن توزّع قيادة الحزب يوم العيد «ألعاباً بلاستيكية» على شكل الجنرال فيشي على أطفال التهجير الذي تسببت فيه، ولا تريد تحمّل مسؤوليته.

المفارقة أن للحزب حصة في هذه الحكومة، وهو الذي أعطاها الثقة مرتين، ولم يلوّح حتى الآن بالانسحاب منها أو تعليق مشاركته أو الاعتكاف، بل إنه ينتظر يوم الحساب، ويذكّر اللبنانيين بما فعلته المقاومة الوطنية الفرنسية بالعملاء بعد انتصارها.

المفارقة أيضاً أن الفرنسيين كانوا مقاومة وطنية، في حين أن الحزب عندما استولى على المقاومة احتكرها طائفياً وعقائدياً. والمقاومة، من موقعها الشعبي كفكرة، هي حق للشعوب في الدفاع عن نفسها، لا يمكن أن تتحول إلى ضرر كبير عليهم، ولا أن تتسبب في خسارتهم الدائمة لأماكنهم، ناهيك بالخسارة الكبيرة في الأرواح والأرزاق. لذلك، حمايةً لفكرة المقاومة، يجب تسمية ما يجري بأسمائه: «حزب الله» الذي فجّر الوضع تسبب في نكبة للجنوبيين تشبه إلى حد كبير نكبة الفلسطينيين.

ما يتناساه الحزب في مقاربته الفرنسية أن المقاومين الفرنسيين بعد التحرير تركوا السلاح، واندمجوا في إعادة بناء دولتهم، وشاركوا في الحياة السياسية كأحزاب لا كمقاومين. فالمقاومة غاية للتحرير، وليست وسيلة للحكم والتحكم، ولا يمكن أن تكون أداة للقمع في الداخل أو الخارج؛ فهي شعبية وليست جماعة مسلحة ضمن محور إقليمي.

وما يلوم الحزب عليه الحكومة ورئيسها، ومعهما أغلب اللبنانيين، بما يصفه افتراءً بأنه كشف ظهر المقاومة، هو في الحقيقة ما تسبب فيه الحزب نفسه. فلا أحد يطعن في نوايا وأهداف من يدافعون عن قراهم وبلداتهم على الحافة الحدودية، بل إن الشك يكمن في ما زجّتهم فيه قيادتهم إسناداً لطهران.

عملياً، إن مقارنة أو تشبيه حكومة نواف سلام بحكومة فيشي محاولة وقحة لتخوينه ومحاصرة حكومته. وهذا لا يعبّر عن قراءة للتاريخ، بل عن عجز في السياسة. فعندما يفقد الحزب القدرة على خوض النقاش السياسي وتسويق الحجج، يلجأ إلى أقسى الاستعارات التاريخية لتوزيع تهم الخيانة على خصومه.

فعلياً، فإن استدعاء نموذج فيشي في السجال السياسي اللبناني يكشف أزمة في الخطاب لدى من يستخدمه؛ فالتاريخ ليس أداة للاتهامات الجاهزة. ومن لا يملك القدرة على الإقناع وتبرير فعلته وتحمّل المسؤولية أمام جماعته، لا يمكنه استخدام أحداث تاريخية غير مطابقة للواقع الحالي لتصفية حسابات داخلية.

وعليه، فإن سردية «حزب الله» تكشف عجزه وعنجهيته، أما توتره فيعكس حجم المخاطر التي تتعرض لها بيئته، والتهديد الوجودي الذي تسبب فيه للكيان اللبناني دولةً وشعباً.