سليمان جودة
رئيس تحرير صحيفة «الوفد» السابق. كاتب العمود اليومي «خط أحمر» في صحيفة «المصري اليوم» منذ صدورها في 2004. عضو هيئة التحكيم في «جائزة البحرين للصحافة». حاصل على خمس جوائز في الصحافة؛ من بينها: «جائزة مصطفى أمين». أصدر سبعة كتب؛ من بينها: «شيء لا نراه» عن فكرة الأمل في حياة الإنسان، و«غضب الشيخ» عن فكرة الخرافة في حياة الإنسان أيضاً.
TT

أوروبا التي ضاقت ذرعاً

استمع إلى المقالة

أظن أن أوروبا ضاقت ذرعاً بما يمارسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب معها من سياسات، وأظن أن موقفها من دعوته لها إلى المشاركة في تأمين مضيق هرمز نوع من التعبير عن هذا الضيق.

ولو لاحظ أحد، فقد أعلنت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوربي، قبل ساعات من نشوب الخلاف الأوربي - الأميركي حول المضيق، أن الولايات المتحدة تريد تقسيم أوروبا. هذا كلام يقال أوروبياً للمرة الأولى بهذه الصراحة، وربما بهذه الحدة، ويقال على لسان مسؤولة السياسة الخارجية، لا على لسان مسؤول صغير، ولا يمكن أن يكون قد قيل بهذه النبرة من فراغ، كما لا بد أن وراءه أسبابه غير المعلنة.

ولو أن السيدة كالاس أنصفت لكانت قد حددت كلامها أكثر، فقالت إن إدارة الرئيس ترمب على وجه التحديد، هي مَنْ تريد ذلك أو تسعى إليه من بين كل الإدارات السابقة عليها.

وإذا شاء أحد دليلاً على أن ما تقوله كالاس أقرب إلى الصواب، فلن يجد دليلاً مباشراً بالطبع، ولكنه سيجد أدلة غير مباشرة، وسيكون موقف إدارة ترمب من الحرب الروسية - الأوكرانية واحداً من بين هذه الأدلة غير المباشرة، بل سيكون أقواها إذا قامت بين الأدلة المُتاحة في هذا الشأن أي مقارنة.

فمنذ أن عاد ترمب إلى البيت الأبيض، لم يجلس الطرفان الروسي والأوكراني على طاولة للتفاوض على وقف الحرب التي دخلت عامها الخامس في الرابع والعشرين من الشهر الماضي، إلا وكان الرئيس الأميركي أقرب إلى موسكو منه إلى كييف، وقد حدث ذلك في كل المرات لا في بعضها، وبطريقة معلنة لا مواربة فيها.

وكان الأوروبيون إذا رأوا ذلك وتابعوه، عدّوه موقفاً منهم لا من أوكرانيا في حدودها، أو في حدود صراعها مع الروس، فلا يزال الأوروبيون يعتقدون أن حرب روسيا ضد أوكرانيا هي في الحقيقة ضدهم، وأن أوكرانيا ليست سوى واجهة. والذين يتابعون مسيرة هذه الحرب منذ بدايتها ثم يرصدون وقائعها، يجدون فيها هذا المعنى المترسخ في كل عاصمة أوروبية، حتى وإنْ راح يتخفى فلا يظهر إلا على استحياء أو في حدود ضيقة.

والحقيقة أن التوجس الأوروبي من الولايات المتحدة قديم قليلاً، كما أنه سابق على إدارة ترمب، ولكنه لم يظهر على نحو سافر إلا مع إدارته الثانية، وإلا مع عودته إلى مكتبه البيضاوي السنة الماضية.

ولو نذكر، فإن تخوفاً كهذا بدا من بعيد في أيام الاستفتاء في بريطانيا على خروجها من الاتحاد الأوروبي، وكان من علامات وجوده وقتها في خلفية المشهد، أن الولايات المتحدة كانت من أشد الدول حماسة لخروج البريطانيين من الاتحاد، وكان ذلك سابقاً على وجود ترمب في البيت الأبيض، وكان أيضاً من آيات الرغبة الأميركية الخفية في التفريق بين البريطانيين والأوروبيين، ولا بد أن الاتحاد أقوى بوجود بريطانيا فيه، وأنه أقل قوة بعد خروجها منه إلى اليوم.

صحيح أن هناك رابطة تاريخية جمعت الأميركيين والأوروبيين على شاطئي المحيط الأطلنطي، وصحيح أن المحيط بقي جسراً للتواصل بينهما منذ الحرب العالمية الثانية، ولكن التصور لدى الولايات المتحدة عن طبيعة هذه الرابطة كان مختلفاً عن التصور لدى أوروبا في المقابل. كانت واشنطن تتصور طول الوقت أنها هي مَنْ يقول ويقود، وأن بأس دول الاتحاد كقوة اقتصادية لا يداني البأس الأميركي على المستوى الاقتصادي نفسه، وأن هذا يكفي لأن تكون الكلمة للشاطئ الغربي للمحيط هناك في بلاد العم سام، لا للشاطئ الشرقي هنا في القارة العجوز.

فلما جاء الرئيس ترمب في رئاسته الثانية عرّى هذا المعنى، وراح يقوله بغير استحياء وبغير حرج، وضاق الأوروبيون بذلك كثيراً، ووجدوا في النداء الذي أطلقه الرئيس الأميركي بشأن مضيق هرمز، فرصة مناسبة للتعبير عما في نفوسهم من ضيق متزايد بالنهج الأميركي معهم.

ويمكن أن نضيف إلى أسباب الضيق إحساس الأوروبيين بأنهم أصحاب تاريخ، وأن الولايات المتحدة لا تمتلك شيئاً من هذا التاريخ، فهي بالكاد تجلس على قرنين ونصف قرن من التاريخ، وستحتفل في الرابع من يوليو (تموز) المقبل بمرور 250 سنة على نشأتها، أما أوروبا فتجلس على قرون ممتدة، ووراءها تاريخ طويل وممتد في عمق الزمان. وإذا كان الرئيس الأميركي قد أحس بشيء من الخذلان الأوروبي في موضوع المضيق، فهو في الحقيقة مَنْ بدأ هذا الطريق مع الأوروبيين، وهو مَنْ خذلهم في مواجهة الروس، وهو مَنْ لم يشأ أن يراعي بعضاً مما ربط شاطئي الأطلنطي منذ الحرب الثانية.

وقد وصل الخذلان له في الأمر إلى حد أن في مقدمة الدول التي خذلته دولاً قريبة لبلاده مثل بريطانيا ومثل ألمانيا، وربما كان السبب أنه لما اختار أن يوجه الدعوة للأوروبيين للمشاركة في تأمين هرمز، فعل ذلك بالكثير من التعالي والغرور، بل وبالكثير من النفعية التي لا يريد التخلي عنها في التعامل مع العواصم والدول.

وهل هناك نفعية أكثر من أن يقول إن على الذين يستفيدون من هرمز أن يأتوا لتأمينه وإعادة فتحه للملاحة؟ هذه لغة سياسية جارحة للإحساس الأوروبي، حتى ولو كان الأوروبيون يستفيدون بالفعل من إبقاء المضيق مفتوحاً، فالتعبير أميركياً عما هو مطلوب من الأوروبيين لم يكن موفقاً، والحديث مع الدول خصوصاً إذا كانت ذات تاريخ لا يكون بهذه الطريقة، ولذلك، بَدَت ألمانيا وكأنها قد فقدت أعصابها عندما قال وزير خارجيتها إن الحرب على إيران حرب أميركا لا حرب أوروبا، وإن الرئيس ترمب هو مَنْ بدأها، وإنه يستطيع إنهاءها إذا شاء!

يقال في الأمثال الشعبية إن فلاناً من الناس لو قدم السبت في علاقته بهؤلاء الناس فسوف يجد الأحد أمامه، وهذا ما يبدو أنه يوافق مقتضى الحال في الخذلان الذي يجده الرئيس الاميركي وهو يدعو الأوروبيين إلى ما دعاهم إليه.