ارتبطت الحداثة في جانبها الثقافي والاجتماعي ارتباطاً وثيقاً بالرأسمالية في جانبها الاقتصادي. أما على الصعيد السياسي فقد تجلّت الحداثة السياسية بمستوى التفوق العسكري، سواء من الناحية التقنية المتمثلة في التطور المطرد للصناعة العسكرية، أو من الناحية الميدانية التي تعكس القدرة الفعلية على فرض القوة والنفوذ على الآخرين.
وتُعدّ فترة الحرب الباردة التجسيد الأبرز لمرحلة الحداثة العسكرية، حيث اتسمت بتوازن القوى بين المعسكرَين الشرقي والغربي، وهو ما عنى في المحصلة توازن القوة الرادعة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.
وهنا يكمن الفارق الجوهري في إدارة الصراع؛ إذ استطاعت واشنطن توظيف الحداثة العسكرية لترجمتها إلى حداثة سياسية مكّنتها من هزيمة الاتحاد السوفياتي، فقد نجحت في توريطه في جبهات استنزافية أخرجته منهكاً ومهّدت لسقوطه الداخلي، ولعل هذا ما يفسّر الأثر العميق والمدمر لهزيمة السوفيات في أفغانستان مقارنة بالأثر المحتمل لهزيمة الأميركيين في فيتنام.
ومع اندلاع حرب تحرير الكويت، شهد العالم أول حرب «ما بعد حداثية» بالمعنى التقني الخالص. وقد أفضت تلك الحرب المفصلية إلى تأسيس عالم ما بعد الحداثة السياسية، الذي تكرّس لاحقاً بهيمنة القطب الأوحد على المشهد الدولي.
وإذا كان الرئيس الأميركي الأسبق وودرو ويلسون رائداً لخطاب «العالم الجديد» لتحديد أهداف سياسته الخارجية، حيث ركز على خلق نظام دولي جديد بوصفه شعاراً لمرحلة الحداثة العسكرية والسياسية، فإن مرحلة ما بعد الحداثة انطلقت مع رؤية «النظام العالمي الجديد» التي صاغها الرئيس جورج بوش الأب. وقد استفاد الرئيس بيل كلينتون من هذه الرؤية للتركيز على العولمة الاقتصادية وتوسيع مجتمع الديمقراطيات السوقية، مما ساعد، إلى جانب سياسات الرئيس جورج بوش الابن، في ترسيخ الزعامة الأميركية قبل فترة التهدئة المؤقتة في عهد الرئيس باراك أوباما.
أما ما نشهده اليوم، ونحن في الفترة الرئاسية الثانية للرئيس دونالد ترمب، فيمكن وصفه بمرحلة «ما بعد بعد الحداثة» على الصعيدَين العسكري والسياسي. فالتطور التقني الهائل، لا سيما إدماج الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، جعل الفارق بين الولايات المتحدة وبقية دول العالم شاسعاً بصورة غير مسبوقة، فغالبية الأسلحة المتطورة التي ظهرت آثارها الحاسمة وتستخدم تلك التقنيات المتقدمة هي أميركية الصنع بالكامل.
ولعل التطورات المتلاحقة خلال هذا العام تعكس هذه المرحلة وتطبيقاتها بدقة. فقد أقدمت إدارة الرئيس ترمب على غزو فنزويلا، وأسرت رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته لتقديمهما إلى المحاكمة أمام القضاء الأميركي، لتعقب ذلك بشن حرب مفتوحة ومباشرة على إيران وتصفية أعلى قياداتها، وعلى رأسهم قائد الثورة المرشد علي خامنئي.
هذا التفوق التقني، الذي يمكن وصفه بـ«ما بعد بعد الحداثة العسكرية»، أفرز هيمنة سياسية مطلقة تمنح واشنطن الحق الحصري في تحديد طبيعة وشكل تدخلاتها ومواجهة خصومها، بمعزل تام عن اعتبارات ومسائل القانون الدولي.
إننا نعيش حقاً حقبة «ما بعد بعد الحداثة السياسية»، ففي حين كانت مرحلة «ما بعد الحداثة» تمرر قراراتها غالباً عبر مؤسسات المجتمع الدولي، نرى اليوم أن واشنطن ترفض تلك القيود وتتصرف من تلقاء نفسها بقرار أحادي مطلق، استكمالاً للمسار الذي بدأته سابقاً في غزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين.
وأمام هذه التحولات الجذرية والعميقة، يبقى السؤال المحوري الذي لا يمكن تجاوزه: ماذا تخبّئ لنا الأيام ونحن ما زلنا في الربع الأول من عام 2026؟ وهل ندخل رسمياً في مرحلة جديدة ومعقّدة من التاريخَيْن العسكري والسياسي؟
