من الأقاويل الشائعة والمضرة أنَّ السوشال ميديا قضت على الإعلام. هذه المقولة هي «الخطيئة الأصلية» التي انطلقت منها أخطاء بالجملة، تسببت في فقدان الإعلام المؤسسي جزءاً كبيراً من تأثيره، وفي تفويته فرصة الاستفادة من أداة عظيمة في يده.
الأمرُ أشبهُ بمؤسسةِ نقلٍ أصرَّت على أنَّ اختراع القطارات دمَّر صناعة النَّقل، بينما الحقيقة أنَّه قضى على قوافل البغال، والحمير، لكنَّه حفّز مهنة النَّقل نفسها. كما قضت الميكنة على الشادوف، والساقية، لكنَّها حفّزت مهنة الزراعة. الإعلامي الماهر هو من يفهم الجديد، ويتواءم معه، لا من يرثي القديم، ويبسل في الدفاع عنه.
الخطيئة الأصلية قادت إلى الخطأ الثاني. في معرض الهجوم على الجديد، صوّر بعض قادة الإعلام السوشال ميديا وكأنَّها غول، أو فضاء فوضوي بلا قيم، لا يحكمه إلا عدد المشاهدات، وأرقام التفاعلات. ثم صدّقوا هذه الصورة، وتعاملوا على أساسها، فوقعوا في الخطأ الثالث، وما تفرع منه.
الخطأ الثالث هو التراخي عن أخذ السوشال ميديا بما تستحقّ من جدية، ومحاولة فهمها من داخلها. السوشال ميديا ليست نقيضَ الإعلام، بل فرع من الإعلام الرقمي، يسري عليها إطار واضح يمكن تلخيصه في «التاءات الثلاث»: ترند، وتصنيف، وتصويب.
«الترند» يعني انتقال سلطة ترتيب الأولويات، والمانشيت، والصفحة الأولى من مجلس التحرير إلى الجمهور. وفهم هذا التحول يعني فهم آلياته، والتفاعل معه، ومعرفة حدود القدرة على توجيهه، أو بدائل العمل حين لا يمكن توجيهه.
أمَّا التصنيف، فمعناه فهم طبقات الجمهور، وشرائحه. ثم يأتي التصويب: توجيه الرسالة إلى شريحة محددة بدل محاولة إرضاء الجميع.
أول الأخطاء المتفرعة عن تجاهل هذا الإطار هو الخلط بين الانتشار والتأثير. تعجبك الأرقام، لكنَّك لا تعرف من أين مصدرها، ولا أي فئة آيديولوجية أو ديموغرافية تقف خلفها. ربَّما فقَدْتَ جمهورَك التقليدي، وانحرفت رسالتك إلى جمهور مؤقت يشجعك الآن لأنَّك تخدم مصالحه، لكنَّه يضرّ نظرتك الاستراتيجية لاحقاً.
المشكلة أنَّ الانتشار في السوشال ميديا أسهل تحقيقاً من التأثير، وأسهل إثباتاً في التقارير. يمكن شراؤه بالدعم المالي، أو صناعته بإثارة قضية جدلية، أو بلغة حادة. وفي كل الأحوال، إن كنت مؤسسة كبيرة واسعة الإنتاج، فلن تعدم جمهوراً هنا أو هناك يمنحك إعجاباً، أو إعادة نشر.
أما التأثير، فصوت واحد قد يكون أعظم أثراً من مليون. لأنَّه يتمتع بثقة، ومصداقية داخل دائرة تهمك.
الثقة، والقدرة على الإقناع قيم باقية من الإعلام التقليدي. لكن التصور المشوه عن عالم السوشال ميديا جعل بعض القادة يستخفون بها، والأرقام الخادعة شجعتهم على ذلك. بل ضللتهم عن حقيقة معاكسة: كلما اتسع الانتشار، صارت دقة التصويب أهم.
ودقة التصويب تشمل نجاعة الرسالة. الاستغناء عن الموهبة ذات القناعة لصالح الولاء يؤدي إلى نتيجة معاكسة. تقدم وجهاً يقول الرسالة ونقيضها. في المرة الأولى يحصل على مليون مشاهدة، وفي المرة الثانية يحصل على مليون أخرى. لكن المليون الثانية ألغت الأولى دون أن تدري. الرقم تضاعف، والثقة تآكلت.
وسائل الإعلام المؤسسية، وكذلك الجهات الرسمية، تحتاج إلى تغيير الذهنية بقدر احتياجها إلى تغيير نموذج التشغيل. التحول إلى ذهنية المسوّق الذي يفكر في العائد الاستثماري، لا في عدد المشاهدات المجرد. إن روَّجت في مصر إعلاناً لزيارة «أنفيلد»، ستحصل على ملايين المشاهدات. لكنَّها ليست جمهورك المستهدف. الرقم قد يرضي التقرير، لكنَّه لا يحقق الغرض.
تبقى نقطة البداية هي الجدية. الجدية في احترام السوشال ميديا كأداة ضمن صناعة الإعلام، لا كعدو له. والاعتماد على قيادات تملك من الثقافة ما يجعلها لا تكتفي بإعادة النشر، بل تفهم الرسالة، وتلتقط ما يخدمها حول العالم، وتبحث عن المواهب القادرة على حملها.
