عبد العزيز الغيامة
صحافي سعودي منذ 1998 وحاصل على وسام الإعلام الرياضي العربي من الاتحاد العربي للصحافة الرياضية عام 2022 ورئيس لقسم الرياضة في صحيفة «الشرق الأوسط»
TT

الصفقات الفاشلة...!

استمع إلى المقالة

تتكرر بعد كل نافذة انتقالات نغمة جلد الذات، وكأن أنديتنا وحدها اخترعت فكرة «الصفقات الفاشلة»، وكأن أي تعثر في لاعب يعني بالضرورة شبهة عمولة أو سوء نية أو عبثاً في مال النادي.

في تقديري الشخصي، هذا الخطاب يحتاج إلى قدر أكبر من الهدوء والإنصاف؛ لأن كرة القدم بطبيعتها مشروع احتمالات، وليست معادلة مضمونة النتائج.

حين يقولون إن الهلال دفع 53 مليون يورو في نونيز، أو إن النصر أنفق 77 مليوناً على دوران أو إن الاتحاد دفع قرابة 29 مليوناً في جوتا، ثم يُسارع البعض إلى اللمز في هذه الصفقات، فإننا في تصوري نغفل حقيقة أساسية تشدد على أنه حتى أكثر الدوريات احترافاً واستقراراً في العالم تقع في الفخ ذاته، مرة بعد مرة، بل مئات المرات، ومن دون أن يخرج جمهورها كل موسم باتهامات ضمنية تجاه مسيري الأندية.

لننظر إلى الدوري الإنجليزي الممتاز، الذي يعيش احترافاً مؤسسياً منذ أكثر من ستة عقود. الأرقام تذكر بوضوح أمثلة حديثة وصريحة ومنشورة في الصحافة البريطانية والعالمية ومواقع الانتقالات الشهيرة.

مانشستر يونايتد دفع 89.3 مليون جنيه إسترليني لإعادة بول بوغبا في 2016، ثم غادر مجاناً إلى يوفنتوس في 2022 بعد ستة أعوام متذبذبة. نيكولا بيبي كلف آرسنال 72 مليون جنيه في 2019، ثم بيع إلى طرابزون سبور مقابل 3 ملايين فقط في 2023، بخسارة بلغت 69 مليوناً. جايدون سانشو انتقل إلى يونايتد مقابل 85 مليون يورو في 2021، ولم يصنع الفارق، ليخرج على سبيل الإعارة مرتين.

تشيلسي وحده قصة كاملة. فرناندو توريس جاء من ليفربول مقابل 50 مليون جنيه إسترليني في 2011، وغادر لاحقاً إلى ميلان في صفقة رمزية لم تتجاوز مليون جنيه تقريباً. كيبا أريزابالاغا كلف النادي 80 مليون يورو في 2018 ليصبح أغلى حارس في العالم آنذاك، لكنه فقد مكانه أساسياً، وخرج معاراً إلى ريال مدريد قبل أن يُباع لاحقاً مقابل مبلغ أقل بكثير من قيمة التعاقد الأصلية. روميلو لوكاكو عاد إلى تشيلسي مقابل نحو 113 مليون يورو في 2021، سجل 15 هدفاً في 44 مباراة في موسمه الأول، ثم خرج معاراً وعاد إلى إيطاليا. تيمو فيرنر كلف 53 مليون يورو، وسجل 23 هدفاً في موسمين، قبل أن يُعاد بيعه إلى لايبزيغ مقابل مبلغ أدنى بكثير من قيمة شرائه.

مانشستر سيتي، الذي يُضرب به المثل في التخطيط، دفع 49 مليون يورو في كالفن فيليبس عام 2022، ولم يلعب سوى 32 مباراة خلال ثلاثة مواسم ونصف، مع إعارات متكررة. جاك غريليش جاء مقابل 117.5 مليون يورو في 2021، وسجل 17 هدفاً فقط في أربعة مواسم، رغم أن الفريق واصل حصد الألقاب، لكن تأثيره لم يواكب تكلفة فاتورته. توتنهام دفع 62 مليون يورو في ندومبيلي عام 2019، ثم أعاره مراراً قبل أن يتحول لاعباً احتياطياً متنقلاً. ليفربول استثمر 52.75 مليون جنيه في نابي كيتا، الذي بدأ 49 مباراة دوري فقط خلال خمسة مواسم قبل أن يغادر مجاناً.

حتى الصفقات «المنطقية» تنهار أحياناً. أنتوني انتقل إلى يونايتد مقابل 95 مليون يورو في 2022، وسجل خمسة أهداف دوري فقط قبل إعارته ثم بيعه. ويسلي فوفانا كلف تشيلسي 80.4 مليون يورو في 2022، ولاحقته الإصابات ليشارك في 57 مباراة فقط خلال أربعة مواسم.

الحقيقة في رأيي أن ما يجري في «البريمرليغ» والدوريات الأوروبية الكبرى كافة هو نمط متكرر في أندية تملك أفضل إدارات التحليل والكشافين والبيانات في العالم.

في تصوري، المثال الأوضح على أن الأسماء الكبيرة لا تمنحك ضماناً هو انتقال كريستيانو رونالدو من ريال مدريد إلى يوفنتوس مقابل 112 مليون يورو، ثم بيعه بعد ثلاثة أعوام إلى مانشستر يونايتد مقابل نحو 17 مليوناً فقط. هل كان يوفنتوس «يسرق خزينته»؟ أم أنه راهن على قيمة رياضية وتسويقية، ثم دفع ثمن تحولات فنية ومالية لاحقة؟

أعتقد أننا في حاجة إلى التفريق بين الخطأ الطبيعي وسوء النية. مثلما يخطئ اللاعب في الملعب، ويسجل المدافع في مرماه، ويرتبك المدرب في التشكيل أو القراءة الفنية، تخطئ الإدارة أحياناً في اختيار لاعب لا يتلاءم مع هوية الفريق أو مع مدربه.

هذا لا يعني أننا لا نتعلم. الدوري السعودي ما زال في طور التحول، ويتعلم من تجاربه في التعاقد، وفي طريقة اختيار النجوم، وفي بناء بيئة مساندة للاعب الأجنبي ولا أشك لحظة واحدة أنه سيقع فريسة للصفقات الفاشلة كثيراً في السنوات المقبلة حاله كحال كبرى الدوريات العالمية.

لكن، من غير العادل تصوير أنديتنا وكأنها تتعمد خسارة أموالها أو تُدار بمنطق العمولات في كل صفقة لم تنجح. الصفقات الفاشلة جزء من طبيعة اللعبة عالمياً، ويكفي تأكيداً لذلك أن بحثاً صادراً قبل عام عن «ذا بلاير كير غروب» الجهة الرائدة في مجال خبراء رعاية اللاعبين في كرة القدم بالتعاون مع شركة الإحصاءات الرياضية «واي تو بلاي»، خلص إلى أن ما يقارب ثلث صفقات انتقالات اللاعبين (31 في المائة) يُصنّف بوصفه «صفقات فاشلة» وتسببت بخسائر صافية تُقدّر بـ1.1 مليار جنيه إسترليني لأندية الدوري الممتاز بين 2021 و2024؟

ختاماً، الضمان الكامل لنجاح الصفقات في تقديري الشخصي وهم. ما علينا فعله هو تحسين أدوات الاختيار والدعم والتقييم، لا جلد الذات كلما تعثر لاعب لم يحقق التوقعات.



المزيد من مقالات الرأي