نبيل عمرو
كاتب وسياسي فلسطيني
TT

مظاهرة الرايات السوداء

استمع إلى المقالة

فورَ استيقاظِ إسرائيل من نومها على زلزال السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ظهرت على شاشات القنوات الإسرائيلية، بوصفها مشهداً متكرراً، مراسمُ جنازاتٍ لجنودٍ وضباطٍ وأناسٍ عاديين، ومواكب نعوشٍ ملفوفة بالعلم الأزرق والأبيض، قادمةً من أنفاق غزة، إلى جانب رجالٍ ونساء يغادرون الأنفاق ليعودوا إلى ذويهم في عمليات تبادل كانت في الماضي تتمُّ على نطاق محدود، وعلى فتراتٍ متباعدة، ولكنَّها في زمن «السيوف الحديدية» صارت أكثرَ عدداً، وأقلَّ فارق زمني بين موجة التبادل والتي تليها.

قبل زلزال السابع من أكتوبر 2023، وجائحة حرب الإبادة على غزة، كانت المظاهرات تجتاح ميادين إسرائيل وشوارعها تحت عناوين متعددة، منها الاحتجاج على الانقلاب الحكومي ضد القضاء وسلطاته التقليدية.

كانت المظاهرات من الكثافة، بحيث لم يتمكن رئيس الوزراء نتنياهو من قطع المسافة القصيرة بين بيته في القدس ومطار بن غوريون إلا على متن طائرة هليكوبتر عسكرية، لاستحالة مرور سيارته من الحشود التي طوّقت المطار وملأت الشوارع والميادين.

عادت إسرائيل من جديد لتشهد مظاهرات رافقت الحربَ على غزة، تطالب نتنياهو بإبرام صفقات مع «حماس» لاستعادة المحتجزين الأحياء منهم والأموات، وبدا جلياً ذلك الصراع المحتدم بين مَن يريدون استعادة المحتجزين بالتفاوض والصفقات، ونتنياهو المحارب الذي ضحَّى بالمحتجزين من أجل أجنداته السلطوية الشخصية.

المظاهرات الواسعة في إسرائيل جزءٌ من واقعها، ولا تُنسى أكبر مظاهرة في تاريخها ضمّت مئات الآلاف في ميدان ملوك إسرائيل في عام 1982، وقبلها حراك يوم الأرض التاريخي الذي أدّاه فلسطينيو 48 في عام 1976، دفاعاً عن أرضهم وجذورهم فيها، وكذلك مظاهرة الغناء من أجل السلام التي تصدّرها الراحلان إسحاق رابين وشيمعون بيريس، وفي تلك المظاهرة نفّذ شابٌ حريديٌ متزمت حكم الإعدام في رئيس الوزراء.

هنالك من يعدّ المظاهرات الواسعة دلالةً قويةً على الديمقراطية في الدولة العبرية، وهذا أمر قابل للنقاش.

مظاهرة الرايات السوداء التي بدأت في القرى الفلسطينية بمثابة جداول صغيرة التقت يوم السبت في قلب تل أبيب، لتكوِّن بحراً جماهيرياً لا يرفع الأعلام الإسرائيلية، مع أن كل المشاركين المائة ألف، يحملون في جيوبهم بطاقات وجوازات سفر إسرائيلية، بل يرفعون رايات سوداء تُجسّد صرخةً تنطلق من إجماع خُمس سكان الدولة، ومن معهم من إسرائيليين متضامنين، تقول كفى للعبث بحياة وأمن ومصالح العرب في إسرائيل من خلال الإجرام المستفحل في داخلهم، وما كان لهذا الإجرام أن يتحوّل إلى ظاهرة مستمرة لو تدخلت الحكومة لإنهائها منذ بداياتها، ولما استثمر فيها بن غفير وأمثاله من دعاة الحوكمة العنصرية القسرية.

إنها مظاهرةٌ لا يُقاس مدلولها فقط بعدد المشاركين فيها، مع أنه كان كبيراً جداً، وإنما من خلال ما تجسّد من فشل لحكومات إسرائيل المتعاقبة، التي ضلَّت طريق السلام مع الفلسطينيين الذين يعيشون في داخلها وفي جوارها، وهذا مؤشرٌ قويٌ على فشلها الحتمي في السيطرة على الفلسطينيين جميعاً، الذين تحتلهم بقوة الاحتلال والاستيطان والسلاح.

لقد تاجر نتنياهو طويلاً، وعلى كل المنابر التي أُتيحت له، بحكاية أنه يقود دولةً تجسّد واحة الديمقراطية الوحيدة في صحراء الشرق الأوسط، لتأتي ظاهرة الإجرام التي تفشّت بين خمس سكان الدولة، دون أن يفعل نتنياهو شيئاً لوقفها أو حتى التقليل منها، بل إنه متهمٌ بالتواطؤ لاستمرارها، فأين هي هذه الديمقراطية المميزة التي يدّعيها ويتفاخر بها؟

والسؤال... هل فهمت إسرائيل الرسمية وحتى الحزبية مغزى مظاهرة المائة ألف في قلب تل أبيب؟

على الأرجح أنها حتى الآن لم تفهم ذلك كما يجب، ما دام الجواب عن السؤال بيد حكومة نتنياهو وشرطة بن غفير وجيش كاتس.