د. محمد النغيمش
كاتب كويتي
TT

ثقافة تحاشي اللوم

استمع إلى المقالة

في المؤسسات الناضجة، لا يُقاس الوعي الإداري بشدة العقوبة، بل بعمق السؤال الذي يلي الخطأ. فالفارق بين منظمة تتعلم وأخرى تتكرر أخطاؤها، هو طريقة تعاملها مع الإخفاق.

عندما تحطمت طائرة يونايتد ايرلاينز عام 1978، كشفت التحقيقات أن السبب لم يكن عطلاً فنياً معقداً، بل كان تجاهلاً لمؤشر الوقود حتى نفد بالكامل. المفارقة التي تُروى أن مساعد قائد الطائرة قد لاحظ المشكلة، لكنه لم يعترض صراحة، إذ كانت الثقافة السائدة آنذاك لا تسمح له بمخالفة القائد. تلك الحادثة لم تعامل باعتبارها فردية، بل بوصفها خللاً ثقافياً، وأدت لاحقاً إلى تطوير نظام تلقي المعلومات في الطائرات.

وفي القطاع الطبي، نسمع عن عشرات الآلاف يفقدون حياتهم سنوياً بسبب أخطاء طبية. ورغم ذلك يندر ما يُسجن طبيب لارتكابه خطأ غير مقصود، ليس لأن الخطأ مقبول، بل لأن العمل الطبي بطبيعته محفوف بالمخاطر، وعليه لا يدخل المريض غرفة العمليات إلا بعد التوقيع المسبق على إقرارات قانونية تحمي الطاقم الطبي. أما في شركات التقنية، وفي مقدمتها «غوغل»، فتُحلَّل الأعطال فور وقوعها من دون طرح السؤال التقليدي: «من المخطئ؟»؛ لأن هذا السؤال، وإن كان يبدو بديهياً، إلا أنه قد يخالجه هوى النفس بتعليق الخطأ على شخص أو جهة، من دون ضمان منع تكراره، بل قد يُمهّد لخطأ أكبر وأكثر كلفة.

وأتذكر هنا ما يُعرف بنموذج «الجبنة السويسرية» في تفسير الأخطاء المؤسسية، فالحوادث الجسيمة نادراً ما تقع بسبب ثقب واحد، بل نتيجة اصطفاف ثقوب عدة في طبقات مختلفة من النظام (الجبنة): مثل إجراء ناقص، أو غياب التدريب والإشراف... وربما ضغط زمني. وعندما تتراصف هذه الثغرات، يمر الخطأ كما يمر السهم عبر شرائح الجبن المثقوبة. هذه الرؤية تنقل تركيزنا من الشخص إلى المنظومة، ومن اللوم إلى الإصلاح.

ما ذكرته آنفاً ليس دعوة لإلغاء المحاسبة. ولا ينبغي لوم المرء على خطأ غير مقصود، لكن الإهمال أو التعمد يظلان من الأسباب المشروعة للمساءلة. غير أن المؤسسات الحكيمة لا تبدأ بالعقوبة، بل بتشريح إجراءات العمل. فهي لا تبحث عن «المذنب» بقدر ما تبحث عن «الثغرة»؛ لأن معالجة الثغرة تحمي كل ركاب السفينة، أما الاكتفاء بإدانة الفرد فلا يحمي أحداً.

لهذا نلاحظ أن ثقافة تحاشي اللوم شائعة في القطاعات العالية المخاطر مثل الطيران، والمستشفيات، والطاقة النووية، والأمن السيبراني، وبعض الجيوش والمصانع، وحتى مجالس الإدارة وإدارات الحوكمة والجودة، حيث يقف خلف الخطأ الواحد مشكلة في النظام نفسه.

ولا بد من الحذر من «ثقافة عدم اللوم» في المؤسسات؛ لأنها قد يساء فهمها، لما يمكن أن تولّده من شعور زائف بالثقة والطمأنينة لدى المقصر، أو تُفسَّر على أنها تساهل أو غياب للمساءلة. لذلك، كان التوازن مطلوباً تجنباً لتفشي ظاهرة التسيب.

والسؤال الوجيه ليس من أخطأ؟ بل: كيف سمح النظام أصلاً بوقوع الخطأ؟