لا يهدأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ولا يُفوِّت يوماً من دون أن يشغل الناس، ويملأ الدنيا بأخبار وقرارات وتصريحات، تُخلخل أوضاعاً بدت مستقرة لعقود، وتخلق مزيداً من الجدل، وأيضاً الانزعاج والمخاوف.
وجديد ترمب، في هذه الأثناء، يخص المجال الإعلامي؛ إذ فاجأنا بقرار، في وقت سابق من شهر مارس (آذار) الحالي، يقضي بقطع التمويل الحكومي عن محطات بث الإذاعات الأميركية الموجهة للخارج؛ بما في ذلك «إذاعة أوروبا الحرة»، و«إذاعة آسيا الحرة»، و«شبكة الشرق الأوسط للإرسال» التي تنضوي تحتها قناة «الحرة»، ومنصاتها الرقمية، فضلاً عن منح إجازة لنحو 1300 موظف في إذاعة «صوت أميركا».
وفي تفسير ذلك سيختلف الأميركيون بطبيعة الحال، وسينقسمون إلى قسمين أساسين: أحدهما -وجُلُّه من مؤيدي الرئيس، وقطاع من الجمهوريين كبير- سيرى أن وسائل الإعلام تلك لا تخدم المواطن الأميركي، ولا السياسات الخارجية للبلاد بما يكفي، فضلاً عن أنها «تُهدر المليارات» من دون عائد مناسب.
وأما القسم الثاني؛ ومعظمه من الديمقراطيين، ومعارضي الرئيس، وقطاع كبير من الإعلاميين والناشطين، فسيعارضون القرار بشدة، وسيجدونه «استسلاماً مُخزياً في معركة الأفكار»، و«هدية مجانية لأعداء الولايات المتحدة من الدول المارقة والشريرة والجماعات الإرهابية والمتشددين»، وأخيراً وليس آخراً «تخلياً عن سلاح القوة الناعمة» الذي طالما نجحت الولايات المتحدة في استغلاله، لتفعيل رؤاها، وتطويع اللاعبين الدوليين لسياساتها بـ«نجاح».
لقد فجَّر قرار الرئيس المُباغت سجالاً سياسياً وقانونياً حاداً؛ إذ جاء بعد يوم واحد من إقرار الكونغرس مشروع قانون التمويل من أجل تجنب الإغلاق الحكومي، حتى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، كما تلقَّى القرار صفعة قانونية، إثر رفض قاضٍ فيدرالي تفعيله، واصفاً إياه بأنه «مثال كلاسيكي على اتخاذ قرارات تعسفية وغير مدروسة».
لا يمكن النظر إلى قرار ترمب بتصفية مؤسسات الإعلام الأميركي الموجه للخارج بوصفه مجرد محاولة حكومية لترشيد الإنفاق، أو إعادة تخصيص الموارد بشكل أكثر فاعلية، كما يزعم بعض مؤيديه؛ إذ إن هذا القرار يعبِّر عن توجه استراتيجي ذي أبعاد فكرية في الأساس.
وببساطة شديدة؛ فإن قرار ترمب يعكس بوضوح موقفه، ورؤية إدارته وداعميه، حيال طبيعة الدور الأميركي في العالم، وأدوات وآليات تحقيق هذا الدور، على النحو الذي يحقق المصالح الوطنية لأقوى دولة في العالم، بأقل التكاليف الممكنة.
ويعكس القرار، في هذا الصدد، الانحياز الفكري لإدارة ترمب لصالح مفهوم «القوة الصلبة» على حساب مفهوم آخر راج كثيراً في العقود الثلاثة الأخيرة؛ أي مفهوم «القوة الناعمة».
ويعود الفضل إلى الاهتمام بمصطلح «القوة الناعمة» إلى أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد الأميركية جوزيف ناي، الذي صك هذا المصطلح في بحث نشره في دورية «السياسة الخارجية»، في عام 1990، تحت عنوان «القوة الناعمة: استخدام الجاذبية والإقناع لتحقيق أهداف السياسة الخارجية للدولة».
ويشرح ناي مفهوم «القوة الناعمة» بوصفها: «قدرة الدولة على تحقيق الجذب والتأثير من دون إجبار وإكراه»، أي من دون الحاجة إلى استخدام القوة العسكرية.
لكن يبدو أن ترمب يميل إلى فكرة أخرى تناقض فكرة «القوة الناعمة»، أو لا تعترف بجدواها، وبالتالي لا تجد تسويغاً لتكاليفها؛ وهو مفهوم «القوة الصلبة» بوصفها طريقة للتعامل مع «غابة عالمية تنمو فيها الأحراش الضارة من جديد»، وهو مفهوم مُستمد من تنظيرات عدد من المُفكرين المحافظين الأميركيين، ويحظى باهتمام وتقدير لافتين في أوساط الجمهوريين.
ومن بين الذين عبَّروا عن هذا المفهوم ببراعة، يبرز المفكر السياسي الأميركي، وأحد مُنظري المُحافظين الجدد، روبرت كاغان، الذي خدم في وزارة الخارجية خلال ولاية رونالد ريغان، في ثمانينات القرن الفائت، وهو أيضاً مؤلف كتاب «الغابة تنمو مجدداً: أميركا وعالمنا المُهدد بالخطر».
ويشرح كاغان فكرته في هذا الكتاب، بالقول إن «الهيمنة العسكرية الأميركية، وليست (القوة الناعمة) هي التي تدعم استمرار النظام العالمي الليبرالي تحت القيادة الأميركية، وإن القوة الأميركية هي وحدها التي حافظت على السلام العالمي، وكبحت جماح القوى الشريرة».
لا يكف الرئيس ترمب عن مهاجمة كثير من وسائل الإعلام «التقليدية» بصورة متكررة وحادة، ويعتقد أن العاملين فيها «أعداء الشعب»، بينما لا يُعوِّل إيلون ماسك الذي بات أحد أبرز مساعديه، سوى على «الإعلام الجديد»، وينخرط الاثنان في معركة شاملة تستهدف تقويض الإعلام المؤسسي أو تقييده وتلجيمه.
ولذلك، فإن قرار إغلاق مؤسسات الإعلام الأميركي الموجه للخارج لا يتعلق بمسألة الموارد أو ترشيد الإنفاق؛ وإنما هو قرار ذو أبعاد آيديولوجية واضحة، وقد تم إبلاغنا من خلاله أن أميركا في عهد ترمب ستتعامل مع العالم كغابة تحتاج أدوات القوة الخشنة لترويض سكانها، من دون حاجة إلى آليات الجذب والإقناع. وستكون لذلك عواقب صادمة.