في منطقة تتَّسم بالاضطراب والتحولات القلقة والاصطفاف حول مشاريع تقويضية، يبرز دور السعودية بوصفها نموذجاً فريداً للاستقرار وصناعة مفهوم الدولة الرشيدة داخلياً على مستوى الاستثمار في المواطنة وإعلائها، وخارجياً في الحياد الإيجابي المبنيّ على المصالح وتعزيز الاستقرار والسِّلم.
تقود السعودية، برؤية طموحة واستراتيجية واقعية بعيداً من الشعارات المؤدلجة أو المواقف المصلحية الضيقة، تحولاً غير مسبوق في دورها الإقليمي والدولي، مستفيدةً من أدوات جديدة في الدبلوماسية، والتنمية، والاستثمار في الإنسان، ومكافحة التطرف، وإعلاء منطق الدولة الوطنية على ذهنية الميليشيات والاستثمار في الفوضى أو حتى في الكيانات ما دون الدولة.
واليوم تبرز السعودية في قلب هذا التحول، إذ نجحت في إعادة تشكيل السياسات الخارجية بناءً على فلسفة «الحياد الإيجابي» التي لا تعني الانعزال عن العالم، بل المشاركة الفعّالة والإيجابية والمتوازنة في القضايا الدولية، من دون التورط في استقطابات حادة أو تحالفات مطلقة لا تراعي المصلحة المتغيرة والمستجدات على الأرض. هذه المقاربة أكسبت الرياض ثقة دولية متزايدة، وتجلّت في وساطتها الفاعلة في ملف الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، واستضافتها حوارات دولية معقّدة، ومحاولاتها لفتح قنوات اتصال بين واشنطن وطهران، والأهم موقفها المبدئي والأخلاقي من قضية فلسطين.
تمتاز المقاربة السعودية لملفات الإقليم المعقدة والاضطرابات الهائلة التي تحيط به بأنها ليست تحركات مؤقتة أو ذات طابع دعائي، بل تنبع من تحوّل بنيوي في الفلسفة السياسية السعودية. فالمملكة باتت تدرك أن دورها القيادي يتطلب صياغة حلول، لا الاصطفاف خلف النزاعات. ومن هنا، فإن الدول الهشة والمتعثرة في الإقليم من اليمن إلى لبنان، ومن سوريا إلى السودان، ستجد في مقاربة السعودية لملفاتها نموذجاً يمكن استلهام الكثير منه خلاصته: لا يمكن الرهان إلا على دولة قوية تحتكم إلى المؤسسات، تستثمر في الإنسان، وتنبذ منطق الميليشيات والآيديولوجيات السامّة التي أعاقت تقدم المنطقة عقوداً من الزمن ولا تبدو هناك أي ملامح ضوء ضمن هذا النفق الطويل القاتم.
على المستوى الدولي، لا سيما بالنسبة إلى الولايات المتحدة والدول الغربية، تكتسب السعودية اليوم وباعتراف مراكز الأبحاث وخزانات التفكير أهمية متزايدة بصفتها نموذجاً للاستقرار المستقبلي في منطقة تشكّل أحد أكبر التحديات أمام الاستراتيجية الغربية. في الوقت الذي تبحث فيه واشنطن عن شركاء فاعلين يساعدونها في إدارة الملفات الحساسة من دون الانخراط العسكري المباشر، تظهر السعودية وسيطاً قادراً؛ بما تملكه من أوراق تفاوضية، وتعانُق التاريخ والجغرافيا، ومركزية القداسة الدينية «الحرمين الشريفين»، والتأثير الاقتصادي، إضافةً إلى نموذجها الفريد للاستقرار والعلاقات الإيجابية مع جميع الأطراف، من واشنطن إلى بكين، ومن طهران إلى موسكو.
ولا يمكن إغفال أن التحول في العلاقات السعودية - الإيرانية (منذ اتفاق بكين عام 2023) شكّل نقطة محورية في إعادة صياغة التوازنات الأمنية في الخليج، وأسهم في خفض التوترات التي كانت قد بلغت ذروتها في سنوات ما قبل الاتفاق، وبخاصة مع سياسة «الضغط الأقصى» التي انتهجتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأولى. لكنَّ السعودية اليوم تنظر إلى إيران بوصفها «عدواً»، بل خصماً يمكن احتواؤه بالدبلوماسية، من خلال الاندماج في منطق المصالح المشتركة بدلاً من الاستنزاف المتبادل متى ما أقدمت طهران على صياغة مقاربة واضحة وصادقة للتخلي عن استثمارها في الأذرع الخارجية واستبدال ملامح الدولة بقناع الثورة.
وفي ظل تصاعد النقاش والجدل داخل إيران وخارجها حول مستقبل برنامجها النووي، والخشية من امتلاكه طابعاً عسكرياً، تسعى السعودية إلى منع الانزلاق نحو صدام إقليمي واسع قد يجر المنطقة إلى الفوضى، ويقوّض المساعي نحو الاستقرار. فاستقرار الإقليم شرط أساسي لجذب الاستثمار والسياحة وبناء الاقتصاد الجديد غير النفطي، وهو ما يفسّر انخراط السعودية النشط في التهدئة والوساطات.
التحولات السعودية في الاستراتيجية الخارجية هي انعكاس لمتن صلب وقوي في الداخل السعودي، حيث النموذج السعودي الجديد والرؤيوي يقوم على تحول داخلي عميق أيضاً: إصلاحات اجتماعية واقتصادية كبرى، وتمكين الشباب والمرأة، وتجديد الخطاب الديني لمواجهة التطرف والعنف... هذا المشروع الداخلي يعزّز من مصداقية المملكة على الصعيد الدولي، ويجعل منها أكثر من مجرد وسيط، ويحيلها إلى نموذج ملهم رغم كل التحديات والصعوبات التي مرت بها في وقت قياسي منذ إطلاق الرؤية، لتصنع واقعاً اليوم يتفق العقلاء على قدرته على الإلهام.
السعودية تمتلك أوراقاً مؤثرة. منها علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والعلاقات الثنائية القوية المبنية على الثقة مع روسيا والصين والاتحاد الأوروبي، إضافةً إلى قدرتها على التأثير في أسواق الطاقة، ونفوذها المتنامي في العالمين العربي والإسلامي، ومكانتها الروحية بصفتها قبلة المسلمين -كل ذلك يجعل منها دولة لا يمكن تجاوزها.
السعودية، بنموذجها المتوازن، تُمثّل اليوم جسراً ضرورياً بين الشرق والغرب، بين الماضي والمستقبل، بين الفوضى والاستقرار، بين الميليشيات ومنطق الدولة، فهي قدمت للعالم صيغة بديلة لحل النزاعات، قائمة على التنمية لا على الحرب، وعلى المصالح لا على الآيديولوجيا. وفي زمن الأزمات العالمية المتكاثرة، فإن الشرق الأوسط، والعالم بأسره، بحاجة إلى السعودية -ليس فقط كمنتج للطاقة، بل كصانع للاستقرار والاستثمار في الأجيال الشابة التي تشكل النصيب الأكبر من الوقود الحقيقي للشرق الأوسط.