جمال الكشكي
رئيس تحرير مجلة «الأهرام العربي». عضو مجلس إدارة مؤسسة الأهرام. عضو مجلس أمناء الحوار الوطني. عضو لجنة تحكيم جائزة الصحافة العربية. عمل مذيعاً وقدم برامج في عدة قنوات تليفزيونية.
TT

الخطوط الخلفية في الحرب على غزة

استمع إلى المقالة

في تاريخ الحروب كثيراً ما تنشط الخطوط الخلفية لإدارة الاتصالات بين الأطراف المتصارعة من دون إعلان؛ ذلك يحدث لترتيب المواقع بعد أن تسكت المدافع.

شيء من هذا جرى في حرب فيتنام الأميركية. كانت الحرب قد طالت بين الطرفين، وأميركا تخسر صورتها في العالم، وتسقط هيبتها العسكرية، والمظاهرات تملأ شوارعها ضد الحرب، والخطوط الخلفية كانت مفتوحة سرياً مع ثوار فيتنام منذ عام 1968. فكر الرئيس نيكسون مع مستشاره الداهية هنري كيسنجر في الانتقال بالخطوط إلى مساحة العلانية حتى أفضت إلى توقيع اتفاقية باريس للسلام عام 1973.

الحرب الإسرائيلية على غزة ليست بعيدة عن هذا السياق المعتاد. فمع اندلاع الحرب فجر السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، نشطت أطراف وقوى دولية وإقليمية باتصالات وتحركات سريعة ومكثفة، في محاولة لإيقاف العمليات العسكرية، وفي الوقت ذاته محاولة لإيجاد موطئ قدم في الأحداث إذا ما استمرت الحرب، أو اتسع نطاقها، حتى لا تفقد هذه القوى حيوية التفاوض والاتصال والمكانة على مسرح الشرق الأوسط.

الحرب على غزة لم تكن حرباً تقليدية أو نمطية، بل تعددت أطرافها، هذه الأطراف تغطي مساحة الكرة الأرضية. صحيح أن مساحة غزة صغيرة (365 كيلو متراً مربعاً)، لكنها تمتد بحبال سميكة إلى كل أركان الأرض، والحبال مصنوعة من عقائد، وثقافات، وأديان، تشمل كل الأمم الحالية على المسرح الدولي. ومن ثم تعددت أطراف الخيوط الخلفية، في محاولة لمنع توسيع الصدام أكثر من هذا، أو لتأكيد أفكار أرادوا من خلالها توسيع النفوذ.

لا ننسى اتصالات الولايات المتحدة مع بعض أطراف الإقليم قبل السابع من أكتوبر لصياغة استراتيجية «سلام عربي - إسرائيلي» يقوم على التعاون الاقتصادي والثقافي أو القبول بالوجود الإسرائيلي، وبعد اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، تحركت أميركا بثقل غير مسبوق، عندما زار الرئيس الأميركي جو بايدن إسرائيل على عجل، تأكيداً على أن الأهداف الاستراتيجية القائمة على إعطاء تل أبيب مكانة وجودية غير قابلة للاهتزاز، وكان ذلك يعد تحركاً لهذه الخطوط الخلفية، ورغم أن بايدن لم يفلح في إيقاف الحرب، فإنه جعل المكوك الدبلوماسي، وزير خارجيته أنتوني بلينكن، ممسكاً بكل خيوط الاتصالات الخلفية عبر 7 زيارات للمنطقة، والتفاوض سراً وعلناً مع أطراف الإقليم المنخرطة فيما يجري في غزة.

الخط الخلفي الأميركي ليس الوحيد، فثمة خط أوروبي آخر تحرك بنفس الوتيرة، وأحياناً أسرع، فأوروبا جارة لصيقة تسمع أزيز الطائرات، وأصوات الرصاص، وترى نوافير الدم في مراياها، وهي التي لديها مصالح مباشرة، جنوب وشرق المتوسط، وبالتالي نجدها وقد جاءت بكبار سياسييها على مختلف المواقف. رأينا إسبانيا وبلجيكا تدعمان وجود دولة فلسطينية كاملة العضوية في الأمم المتحدة، وفي الجانب الآخر رأينا ألمانيا وبريطانيا وفرنسا تنحاز إلى رؤية إسرائيل في الصراع. الاختلاف بين الموقفين يشير إلى أن أوروبا مشغولة بتداعيات الحرب وترتيبات المستقبل.

ثمة خط خلفي ساخن تمسك به إيران، تلك الدولة القديمة المجاورة لدول الإقليم العربي، وتتماس تاريخياً ودينياً معه في مزج شديد تتأثر به، ويتأثر بها، وفي حالة الحرب الإسرائيلية على غزة توجد إيران في قلب المسرح، لما لها من تقاطعات عبر وكلاء معتمدين ينفذون كل ما تراه في صالح الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة والعالم، سواء في الملف النووي، أم في ملف فرض الهيمنة والنفوذ الجغرافي.

كانت إيران في قلب الحدث منذ اليوم الأول، لهذا باتت إحدى المحطات الخلفية الأساسية للمفاوضات والحوارات مع كل الأطراف المتصارعة، من أجل منع اتساع الحرب في أي منعطف، كما جرى في قصف إسرائيل للقنصلية الإيرانية في دمشق ومقتل 7 من قادة «الحرس الثوري» الإيراني، الأمر الذي استدعى رداً إيرانياً على إسرائيل بعد 12 يوماً بالمسيَّرات والصواريخ الباليستية، وهنا تحرك الخط الخلفي الأميركي والأوروبي من أجل حماية تل أبيب، وصد هجوم طهران.

أنقرة ليست بعيدة عن حسابات الخطوط الخلفية، فلدى تركيا الحالية علاقة وثيقة وعميقة بفصائل فلسطينية تتماس معها في الهوى الفكري، ولديها في نفس الوقت علاقات تاريخية عسكرية وتجارية بإسرائيل، حاولت عبر خطوطها الخلفية أن تلعب دور الرجل «الأوسط» في معادلة شد الخطوط.

بدأت هادئة دبلوماسياً، وهي تحاول إيقاف الحرب على غزة، ثم تعالت نبرتها الدبلوماسية عندما استمرت الحرب أشهراً، نبرتها العالية تلك وصلت إلى حد قطع العلاقات التجارية مع إسرائيل، ولم يتبق لقطع العلاقات نهائياً سوى سحب السفراء، بدا كأن الحليفين الاستراتيجيين لأميركا يختصمان، فلدى إسرائيل وتركيا علاقات استراتيجية. كما تحتفظ تركيا لنفسها بمكانة لدى قطاع عريض من الفصائل الفلسطينية، وترغب في المشاركة في الخطوط الخلفية لترتيب أوضاعها بعد هذه الحرب.

إذن، وسط هذه الحرب الضارية، كلٌّ يغني على ليلاه الاستراتيجية والتكتيكية، لكن غزة وحدها بعد أن تسكت المدافع، ستكشف أوراقها السرية، وستكشف أيضاً عن مفاوضات أصحاب الخطوط الخلفية... كيف كانت؟ وإلى أين كان المصير؟