عادل درويش
صحافي معتمد في مجلس العموم البريطاني، وخبرة 55 عاماً في صحف «فليت ستريت». وكمراسل غطى أزمات وحروب الشرق الأوسط وأفريقيا. مؤرخ نشرت له ستة كتب بالإنجليزية، وترجمت للغات أخرى، عن حربي الخليج، و«حروب المياه»؛ أحدثها «الإسكندرية ، وداعاً: 1939-1960».
TT

هوّة تفصل الحكومات عن الشعوب الأوروبية

استمع إلى المقالة

تظاهر مزارعون أوروبيون بالجرارات والآلات الزراعية وأشعلوا النار في الإطارات أمام مبنى البرلمان الأوروبي، وقذفوا نوافذه بالبيض، فالاحتجاج الذي بدا في فرنسا على قوانين الاتحاد الأوروبي البيروقراطية ألحقت الخسائر المادية باقتصاديات مزارعهم. انتشر الأسلوب نفسه في أوروبا، سد الطرق، خاصة العابرة للحدود، والتظاهر أمام المباني الحكومية بالجرارات وسيارات النقل ونفخ الأبواق باستمرار.

الظاهرة انتشرت في إسبانيا، والبرتغال، وإيطاليا، واليونان، وبولندا.

في العاصمة البريطانية في اليوم نفسه، حذّرت اللجنة البرلمانية لشؤون الإسكان والمجتمعات المحلية من أزمة مالية تهدد كثيراً من المجالس البلدية في إنجلترا، ونصحت بتوفير 4 مليارات جنيه سنوياً لإنقاذ البلديات من الإفلاس.

في اليوم نفسه، وفي لندن أيضاً، أشار عدد من زعماء حزب العمال ووزراء في حكومة الظل (المعارضة) إلى تراجعهم عن الوعد بإنفاق 28 مليار جنيه على المشاريع الخضراء البيئية في حال تشكيلهم الحكومة القادمة، «كالمتوقع إذا استمرت استطلاعات الرأي في تقدم (العمال) بفارق كبير على حكومة المحافظين».

وقد يتساءل البعض؛ ما الذي يربط هذه الأحداث في قرابة 10 بلدان أوروبية؟

فلنبدأ بتلميحات حزب العمال كإشارات قوية للناخب البريطاني بتراجعهم عن الوعد بإنفاق 28 ملياراً على المشاريع الخضراء، خاصة أن قانون التغيير المناخي الذي أصدره البرلمان في عام 2008 كان في الفترة الثالثة من الحكومة العمالية (1997 - 2010)، وتأسيسها لوزارة خاصة بالتغيير المناخي، تأتي الطاقة تحت إشرافها.

من الواضح (من استطلاعات الرأي) أن «العمال» في عام الانتخابات يحاول الوصول إلى قطاع كبير من الناخبين يرون أن آيديولوجية البيئة والإصرار على إثقال كاهل الطبقات الفقيرة، خاصة الحرفيين وأصحاب المهن الحرة، بضرائب رسوم البيئة، يفقدانهم أصوات الناخبين، خاصة في مناطق الطبقة العاملة التي تصوّت تقليدياً لـ«العمال». فقبل بضعة أشهر، كسب المحافظون دائرة في ضواحي لندن كان يفترض أن يفوز بها مرشح «العمال»، لكن تجاهل عمدة لندن العمالي مطالبهم بعدم فرض رسوم يومية (حماية البيئة) على السيارات القديمة في المنطقة حوّلت الأصوات للمحافظين.

وبجانب أن مسألة رسوم التغير المناخي والبيئة من العوامل التي تربط الأحداث كاحتجاجات المزارعين في أوروبا، والخسائر المالية للمجالس البلدية الإنجليزية، فهي من الأسباب، وليس كلها.

ولا يتسع المجال هنا للفحص بتحليل شامل، لكن نلقي نظرة سريعة على شكوى المزارعين مثلاً، فهناك أسباب خارجية دولية، وأخرى محلية وطنية، وعوامل بيروقراطية آيديولوجية من بروكسل، حيث تفرض المفوضية الأوروبية لوائحها وقوانينها المتعلقة بالإنتاج الزراعي، ليس على البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي فحسب، بل كثير منها على بلدان تتاجر بالصادرات والواردات مع السوق الأوروبية للاتحاد.

فمثلاً في حالة مزارعي بولندا، وفرنسا، وبلدان وسط أوروبا، يعترض المزارعون على استيراد الحبوب من أوكرانيا، لأنها تباع بأسعار أرخص من تكاليف إنتاجها، وهو سبب خارجي، يؤثر على اقتصاديات المزارعين داخلياً. ورغم أن المفوضية أصدرت، يوم الأربعاء، «أمر تحديد طارئاً» يقلل من نسبة بعض الواردات الزراعية من أوكرانيا، كالسكر، ومنتجات الدواجن، فإن اتحادات المزارعين في البلاد الأوروبية المختلفة (خاصة فرنسا وإيطاليا وبولندا) مستمرة في الاحتجاج، معتبرين أن القرار مؤقت، وأيضاً لا يكفي، ويطالبون بتحديد ما سمّوه فيضان الحبوب والسكر والمنتجات الكبيرة من أوكرانيا.

الأسباب الأخرى بيروقراطية آيديولوجية؛ السياسة الزراعية الأوروبية المشتركة التي تقدم منحة للمزارعين في بعض البلدان ليتركوا نسباً من مساحة الحقول بلا زراعة، كما أن القوانين واللوائح الإجبارية المتعلقة بالتغير المناخي تمنع المزارعين من إنتاج محاصيل ومنتجات زراعية معينة، وتجبرهم على ترك مساحات متزايدة من مزارعهم خاوية، ما يؤدي إلى استيراد هذه المنتجات بأسعار أرخص، وأيضاً فرض رسوم البيئة المرتفعة على الوقود الأساسي للمزارعين أدى إلى خسائرهم.

قوانين المفوضية الأوروبية ولوائحها تبين الفجوة العميقة بين الواقع الذي تعيشه الأغلبية في الريف والمناطق العمالية، وتفكير الطبقة السياسة في المدن، خاصة هوسها بآيديولوجية الاعتقاد أن التغير المناخي سببه الأول النشاط الإنساني الإنتاجي، خاصة الزراعي.

ربما المدخل لفهم هذه التناقضات من سبب نقص ميزانية المجالس البلدية، لأن هوسها بآيديولوجية البيئة، وبقضايا التيارات الليبرالية، يجعلهم يعطون أولوية لدعم مشروعات ترفيهية أو تتعلق باهتمام أقلية من الطبقة الوسطى، كإرضاء رمزي للمتحولين جنسياً، أو مظاهر التضامن مع بلد خارجي، بينما تهمل البلديات حاجات أساسية لأبناء المنطقة كتنظيف الشوارع وإنارتها وإصلاح المطبات والمرافق وجمع المخلفات في مواعيدها، ثم تفرض الرسوم بحجة البيئة. الإخفاق في تقديم الخدمات البلدية للسكان يجعلهم يرفضون أي زيادة في رسوم البلدية المفروضة، لأن المجلس البلدي ينتخب بالاقتراع المباشر، والضرائب أحد أهم عوامل تحول الناخب عن الحزب الذي يكوّن المجلس.

هذا يفسر إمساك حزب العمال بالعصا من الوسط «كالتلميح» بالتراجع عن إنفاق 28 مليار جنيه على المشاريع الخضراء والتغير المناخي، بالقول إنهم يبحثون تأجيلها إلى الفترة الأخيرة من حكومتهم البرلمانية، بعكس موقف المحافظين الواضح بتحويل الإنفاق على هذه المشروعات إلى الأولويات، كالصحة والخدمات الأساسية.

فـ«العمال» يخشى فقدان الأصوات الليبرالية في المدن الكبرى المهووسة بالقضايا التي أدت بالمزارعين إلى الاحتجاج وقذف نوافذ البرلمان الأوروبي بالبيض.