فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي
TT

رونالدو في طهران... الجميع يركض

استمع إلى المقالة

يقول كريستيانو رونالدو عن السعوديين إنهم «معجونون بكرة القدم».

هذا صحيح، منذ النشأة كنا لا نعرف غير هذه اللعبة. نعدّها جزءاً من حياتنا وحيويتنا.

غالباً بين صلاة المغرب والعشاء تكون هذه هي الفرصة الممنوحة للعب كرة القدم، وكان مركزي في المباراة «قلب دفاع»، وأحياناً «مهاجماً صريحاً» عند الضرورة. وقال لي الصديق حسن المصطفى الذي سأعرج على مقالة له نُشرت حديثاً حول كرة القدم أن مركزه في الكرة «حارس مرمى»، وكان يلقبه أصدقاؤه بـ«عبد الله الدعيع».

والرياضة بعمومها مبهجة، بل وفرحة، ومرحة، وفيها كثير من الأناقة الوجودية، شخصياً ألعب «الاسكواش» (Squash) منذ 15 عاماً، وكرة المضرب المترامية بين الجدران تستنزف كل الغضب، وقد تعلمتها وعلمت عليها، وبقدر كما كنت أهزم كثيرين فيها، لم يهزمني فيها صديق قط.

وبعد طول دربة، قابلتُ مَن حاز فيها على بطولة في دبي، وقررت أن أباريه، وسجلت عليه 3 نقاط، وهذه تُعدّ لشخصٍ هاوٍ غير محترف متميزة.

ثم جربت لعبة «التنس» الحيوية الحية؛ اللعبة التي تحتاج إلى مناخٍ جيد، ويوماً بعد يوم أحرص على لعبها والترتيب لها، ومن أفضل الأماكن التي لعبت فيها التنس، فضلاً عن النادي المجاور، ملعب تنس «الحبتور غراند» في دبي، فهو في غاية التنظيم والترتيب.

الفكرة أن الرياضة حيوية وحياة، وهذا ما أكدت عليه النظرية العالية الكبرى للعبقري الفذ الأمير محمد بن سلمان ولي العهد.

فور وصول فريق رونالدو لإيران، تغالبت وسائل الإعلام على التغطية، مباراة «النصر» كانت الحدث والحديث، وقد علق عليها الصديق حسن المصطفى بمادة متميزة على موقع «العربية. نت» يقول إنه «مشهدٌ وصفه الكثيرون بـ(التاريخي) وصول بعثة فريق النصر السعودي إلى العاصمة الإيرانية طهران، ومعهم هدّاف الفريق، النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو، حيث احتشدت جموع غفيرة من الإيرانيين في المطار وقرب مكان إقامة الفريق تهتف باسم كريستيانو، وتحمل صوره، فيما شوارع العاصمة عُلقت فيها العديد من اللافتات الترحيبية بالنادي السعودي ونجومه الذين تتابع قطاعات واسعة من الشعب الإيراني أخبارهم، ويشاهدون مبارياتهم، فعشق كرة القدم أداة فعالة تقرب بين الشعوب، حتى وإن اختلفت اللغات».

يرى حسن أن «الإيرانيين شعب محبٌ لكرة القدم، والتطورات الحاصلة في (دوري روشن) السعودي كانت محل متابعتهم. حيث كان (الكلاسيكو) الذي جمع بين الهلال والاتحاد، وانتهى بفوز الأول بـ4 أهداف مقابل 3، في 1 (أيلول) سبتمبر الحالي، تلك المباراة بثها التلفزيون الإيراني لأول مرة. فموقع (جادة إيران)، وفي تقرير نشره بتاريخ 8 سبتمبر الحالي، نقل عن خبير كرة القدم والعضو السابق في هيئة تحرير صحيفة (إيران) الرياضية الحكومية، سعيد زاهديان»، قوله: «الآن، مع رؤية رونالدو وبنزيما والعديد من اللاعبين الآخرين الذين سيلعبون مقابل الفرق الإيرانية، مثل برسبوليس وسباهان ونساجي، في (دوري أبطال آسيا)، فإن ترفيه الناس جذابٌ وممتع».

القوة التي تمنحها الحيوية الرياضية السعودية اليوم لا تقتصر على تسجيل النقاط، وإنما لها بعدها الكامل والشامل. الاستثمار بالرياضة تجاوب مع الأمم. حين ترى الأفارقة، والمغاربة، والجزائريين، والإنجليز، والصرب يشجعون الأندية في أقاصي السعودية وأوسطها وجنوبها، تعلم أن الرياضة حق بشري ومتعة محقة، وليست مجرد استعراض مالي أو مادي.

حين أعلن الأمير محمد بن سلمان عن الموضوع الرياضي إنما كان يفسر بنود الرؤية، كما هي المشروعات المتعددة الثقافية والاجتماعية والسياسية؛ الرؤية العالية العتيدة، نص الإعلان على أن «المشروع يتضمن في المرحلة الحالية مسارين رئيسيين؛ أولهما الموافقة على استثمار شركات كبرى وجهات تطوير تنموية في أندية رياضية، مقابل نقل ملكية الأندية إليها، والثاني طرح عدد من الأندية الرياضية للتخصيص، بدءاً من الربع الأخير من عام 2023». ويقوم المشروع (حسب «وكالة الأنباء السعودية») على 3 أهداف استراتيجية «تتمثل في إيجاد فرص نوعية وبيئة جاذبة للاستثمار في القطاع الرياضي لتحقيق اقتصاد رياضي مستدام، ورفع مستوى الاحترافية والحوكمة الإدارية والمالية في الأندية الرياضية، إضافة إلى رفع مستوى الأندية وتطوير بنيتها التحتية لتقديم أفضل الخدمات للجماهير الرياضية، مما ينعكس بشكل إيجابي على تحسين تجربة الجمهور. ويهدف مشروع نقل الأندية وتخصيصها بشكل عام إلى تحقيق قفزات نوعية بمختلف الرياضات في المملكة، بحلول عام 2030، لصناعة جيل متميز رياضياً على الصعيدين الإقليمي والعالمي، إضافة إلى تطوير لعبة كرة القدم ومنافساتها بصورة خاصة، للوصول بالدوري السعودي إلى قائمة أفضل 10 دوريات في العالم. كذلك تتضمن الأهداف زيادة إيرادات رابطة الدوري السعودي للمحترفين من 450 مليوناً».

وبالعودة إلى مقالة الأستاذ حسن المصطفى، فإن الصفقات أبعد من الرياضة. إنها قوة ناعمة صاعدة وحيَّة، تخاطب ما لا تستطيع الأقوال الوصول إليه، يقول: «عندما يشاهد الجيل الجديد من الإيرانيين هذه الكوكبة من النجوم في السعودية سيدفعهم ذلك ليس لمتابعة (دوري روشن) وحسب، بل مختلف التطورات الاجتماعية والرياضية والثقافية والفنية والتنموية التي تحصل في السعودية؛ ما يقود لتكوين صورة إيجابية في أذهانهم عن جارهم الكبير على ضفاف الخليج العربي، ويثير لديهم الرغبة في (المنافسة الإيجابية)، وأن تكون لديهم ذات التطورات الإيجابية والعملية الإصلاحية التي تحدث في السعودية، ورافعتها (رؤية 2030). الفيديوهات التي تظهر جماهير إيرانية غفيرة وهي تركض خلف حافلات نادي (النصر) لمسافات طويلة وآخرين يتسلقون تلالاً كي يحظوا برؤية كريستيانو ونجوم (العالمي) دليل على قوة (الدبلوماسية الرياضية)، وكيف أنها ستعزز فرص بناء علاقات حسنة بين السعودية وإيران، خصوصاً بعد تبادل السفراء، والزيارات المستمرة للمسؤولين والوزراء في البلدين».

الخلاصة أن الرياضة خطاب شعوب ليست له ترجمة، ولا لغة. إنها الفضاء الحيوي الحي. الدول تستطيع أن تصنع التاريخ، وتنفذ إلى عمق الشعوب، وإلى تخوم الوجدان الإنساني، عبر التخاطب الرياضي، الذي ينعش جميع طبقات المجتمعات في كل أنحاء العالم. وهذا هو المقصود الذي لم يفهمه بعض العرب.

ومنهم من ليس لديهم كهرباء ولا ماء ولا رئيس، ويخطب أمين عام حزب منهم ضد صفقة «رونالدو»، ومعروف عنه الهجوم على رموز وملوك من الأسر الحاكمة. يتحدث بعضهم عن السعودية من دون أدنى وعي ثقافي ولا سياسي، بل بعضهم يعتقدون أن مشكلاتهم هي محور الكون، وسجالاتهم هي محور مؤتمرات ونقاشات وتداولات العالم كل صباح.