د. عبد المنعم سعيد
عضو مجلس الشيوخ المصري حالياً، ورئيس مجلس إدارة «مؤسسة المصري اليوم» الصحافية في القاهرة، ورئيس اللجنة الاستشارية لـ«المجلس المصري للدراسات الاستراتيجية»، وسابقاً كان رئيساً لمجلس إدارة «مؤسسة الأهرام» الصحافية، و«مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية»، و«المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية»، وعضو مجلس الشورى المصري. كاتب في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ عام 2004، و«الأهرام» و«المصري اليوم»... وعدد من الصحف العربية. أكاديمي في الجامعات والمعاهد المصرية، وزميل زائر في جامعة «برانديز» الأميركية، ومؤلف للعديد من الكتب.
TT

تغيير موقف الولايات المتحدة من القيادة العالمية

الزيارة الأولى التي قام بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العالم الخارجي تبدو كنقطة تحول في مسيرته الخاصة بسياسته الخارجية، التي أشهرها بإصرار خلال حملته الانتخابية. كما ذكرنا في مقالات في هذا المقام من قبل، فإن ما ذكره ترمب «المرشح» طرح سياسات خارجية أميركية مفارقة للتقاليد الأميركية المستقرة منذ الحرب العالمية الثانية، والقائم على القيادة الأميركية للعالم في ثلاثة مجالات أساسية: الأمن الدولي القائم على قوة الولايات المتحدة كدولة عظمى لها تحالفاتها مع القوى الكبرى للعالم، بحيث تجعل توازن القوى الدولي لصالح الكتلة الغربية، والاقتصاد العالمي القائم على حرية التجارة والليبرالية الاقتصادية في العموم، وسلامة كوكب الأرض من أخطار البيئة التي تصاعدت نتيجة الثورة الصناعية التي انتشرت بين دول العالم في القارات الست.
ترمب «المرشح»، وعلى خلاف مع كل الرؤساء الذين جاءوا قبله، لم يأل جهدا في الحديث عن تغيير موقف الولايات المتحدة من القيادة العالمية في الجبهات الثلاث. فالرجل لم يكن لديه مشكلة في التخلي عن التحالفات الأميركية وفي مقدمتها حلف الأطلنطي والمعاهدات الدفاعية مع اليابان وأستراليا. ولم يكن لديه معضلة في الحديث عن خروج الولايات المتحدة من الاتفاقيات الاقتصادية الليبرالية سواء تلك التي أنشئت «النافتا» (معاهده التجارة الحرة في أميركا الشمالية) أو التي قامت عليها منظمة التجارة العالمية، أو تلك التي كانت في دور الصنع وتخص الشراكة في المحيط الهادي. أما ما يخص الكوكب فإن كل الاتفاقيات الخاصة بحمايته، وخاصة تلك التي تم توقيعها في باريس فلم تكن أقل من عملية نصب (Hoax) كبرى على الولايات المتحدة.
مثل هذه التوجهات التي كانت سائدة داخل تيار يميني قومي داخل الولايات المتحدة كان مقدرا لها أن تغير من طبيعة النظام الدولي كله، فمع انسحاب الولايات المتحدة من تحالفاتها أو تغييرها لطبيعة هذه التحالفات أو تحويلها إلى عملية تجارية أكثر منها استراتيجية تخص الجغرافيا السياسية في العالم، فإن حركات سريعة من تغيير التحالفات كانت سوف تسري في العالم تعطي قيما مختلفة لروسيا والصين والهند والاتحاد الأوروبي. كانت لعبة الكراسي الموسيقية على قمة النظام الدولي سوف تتغير وتتبدل خالقة حالات مفاجئة من عدم اليقين، وعدم الاستقرار في عالم تنتشر فيه الأسلحة النووية والأخرى التي تخص الدمار الشامل. وفي هذا النظام تتوالد سياسات حمائية تعود بنا إلى فترة ما بين الحربين العالميتين في القرن العشرين، وتفتح الباب لصراعات مدمرة في نفس الوقت الذي يدخل فيه كوكب الأرض إلى أخطار عظمى يصعب تقديرها في ظل حالة من الانفلات العالمي المساهم في الاحتباس الحراري المدمر.
أربعة شهور الآن على وجود ترمب في البيت الأبيض توحي بأن الرجل، وإن حافظ على بعض المسائل التي طرحها والخاصة بالمهاجرين وبناء الحائط على الحدود الأميركية مع المكسيك، فإنه أخذ تدريجيا في الانسحاب مما كان ضمن معتقداته الأساسية. وفيما عدا القرار الجمهوري بإلغاء التوقيع الأميركي على «الشراكة عبر الباسفيك» فإن الرئيس الأميركي جعل كلماته أقل حدة فيما يخص كل القضايا الأخرى، بل إنه في بعضها خاصة فيما يتعلق بحلف الأطلنطي بات أكثر تحديدا وقبولا به مما كان في أي وقت مضي. وربما كان للرحلة الأولى التي قام بها إلى الشرق الأوسط وأوروبا إيذانا بتغيير الكثير من مواقفه، فبالتأكيد فإن زيارته للرياض ولقاءه بقادة الدول الإسلامية أذنت بعودة الولايات المتحدة إلى مقعد القيادة مرة أخرى، وبطريقة حاسمة أكثر بكثير من تلك القيادة المترددة التي طرحها باراك أوباما، فهو لم يجدد تحالفاته مع دول الخليج العربية وخاصة المملكة العربية السعودية فقط، بل إن هذه التحالفات توسعت وصارت أكثر عمقا. وأثناء الزيارة فإنه لم يتردد في استخدام القوة ضد قوات بشار الأسد في سوريا، حينما حاولت تغيير توازنات القوى في مسرح العمليات العسكرية الخاصة بتحرير الرقة؛ وقبل الزيارة استخدم القوة العسكرية الصاروخية ضد قاعدة الشعيرات التي استخدمت منها الأسلحة الكيماوية، ورافقها إرسال رسالة قوية وحازمة إلى كوريا الشمالية بإرسال «أرمادا» أميركية إلى بحر الصين الجنوبي. ولم يخل الأمر من رموز جاءت في زيارات دول تمثل الديانات السماوية الثلاثة، ومن استعادة دور الولايات المتحدة في إنجاز صفقة تاريخية تخص الصراع العربي الإسرائيلي. ومن المؤكد أن حضوره لقمة الدول العشرين في صقلية كان إشارة إلى أن الولايات المتحدة لن تكون الدولة التي تقلب النظام الاقتصادي العالمي، وإنما ربما تسعى لتحسين شروط وجودها فيه.
لماذا يختلف الآن «الرئيس» عن «المرشح»؟ سؤال تأتي إجابته الأولى المباشرة أن ذلك ما هو وارد وطبيعي في النظم الديمقراطية؛ ولكن الإجابة ليست كافية ربما. الإجابة الأخرى أن النظام السياسي الأميركي صلب في تقييد سلطة الرئيس. ثم إن الزيارات المتعاقبة من زعماء دول العالم خلقت روابط جديدة، ومعرفة أكثر بأحوال العالم خاصة من الدول الأوروبية ودول الشرق الأوسط.
ولكن الفارق الأكبر في تغييرات ترمب جاءت من داخل حكومته ذاتها، والتي ضمت ثلاث حكومات مندمجة في ذات الإدارة: الأولى التي تضم عائلة الرئيس شخصيا وتضم زوجته ميلانيا وابنته إيفانكا وزوجها كوتشنر؛ والثانية تضم مجموعة الحملة الانتخابية الآيديولوجيين أمثال ستيف بانون وستيف ميللر؛ والثالثة ضمت المحترفين من أول وزير الدفاع ماتيس ووزير الخارجية تيلرسون ومستشار الأمن القومي ماكماستر ورئيس المخابرات المركزية بانيو. ولكن رحلة الرئيس إلى الشرق الأوسط وأوروبا ربما شهدت انتصارا كبيرا للحكومة المحترفة، وانحيازا لها من قبل الحكومة الأولى، وتراجع قيمة ونفوذ الحكومة الثانية.
هل معنى ذلك كله أن الأمور عادت إلى قواعدها مرة أخرى إلى ما كانت عليه بشكل أو بآخر خلال حكم الرؤساء الأميركيين السابقين؟ والإجابة أن بعضا من هذا حدث بالفعل، ولكن التاريخ لا يسير دوما في خطوط مستقيمة، وغالبا ما تكون قدرة الرئيس على تغيير السياسة موجودة في التفاصيل، وأساليب العمل، ومدى السرعة والبطء في دفع الاتجاهات في محاور مختلفة للعمل. ومن يريد أن يعلم أكثر فربما ينتظر ثلاثة أمور: الاجتماع الأول مع بوتين؛ وترجمة ما نتج عن زيارة السعودية إلى واقع؛ وما الذي ستنتهي إليه الأمور في مجموعة العشرين؟