باسم الجسر
كاتب لبناني
TT

شلل دستوري على ركام نفايات

«كل ديك على مزبلته صياح».. مثل قديم دارج في لبنان، ما من أحد كان يتصور تحوله إلى واقع يهدد لبنان بالاختناق تحت ركام «النفايات» المنزلية (تسمية ملطفة للزبالة) التي يطالب «المواطنون» الدولة بمعالجتها ويمنعونها، في الوقت ذاته، من حلها، متمترسين وراء أنانيات مناطقية وطائفية وبيئية مدعومة بتحركات شعبية وقطع طرقات والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور.
وهذا كله في الوقت الذي يعيش (؟!) فيه لبنان من دون رئيس للجمهورية منذ سنة ونصف السنة، وتتعطل فيه السلطتان التشريعية والتنفيذية، ويتأرجح فيه الاقتصاد اللبناني على حافة هاوية بسبب تراجع مداخيل السياحة ومشاركة فريق من اللبنانيين في الحرب الأهلية السورية.
مبدئيًا وديمقراطيًا، الحكومة والطاقم السياسي، نوابًا ووزراء وكبار الموظفين، هم المسؤولون عن هذه «الحالة»، والمطالبون بتخليص لبنان منها. ولكن، وللإنصاف، ليست الدولة أو الحكومة أو الطاقم السياسي هم المسؤولون وحدهم عن وصول لبنان إلى ما وصل إليه، بل الإنسان اللبناني الذي يتمتع عمومًا بمعظم شروط المعرفة والإبداع، من علم ونشاط وإنتاج ونجاح، ولكنه كبّل نفسه بثلاثة قيود، هي النظام السياسي الطائفي المذهبي وارتهان معظم أحزابه وسياسييه بالخارج، وتحكم المال والعصبية الطائفية والمذهبية في الانتخابات، والفساد في السياسة والإدارات العامة.
إن نصف - وربما أكثر - أبناء المناطق اللبنانية يعملون ويسكنون في العاصمة أو المدن الكبيرة، وبالتالي يشاركون في تكديس تلال النفايات في شوارعها. ولكنهم، في الوقت نفسه، يرفضون فتح مطامر أو محارق للنفايات في مناطقهم، كأنما تلوث شوارع بيروت والمدن بالنفايات حلال وإنشاء مطامر ومحارق للنفايات في المناطق حرام. ولعل اقتراح البعض تصدير النفايات إلى الخارج أصدق دليل على عقلية التهرب من المسؤولية والاستمتاع بالوطن دون الشعور بمسؤولية المواطنة.
صحيح أن لبنان ما كان ليصل إلى هذه المآزق الوطنية والسياسية والديمقراطية لو كانت الأحوال والأوضاع في سوريا والشرق الأوسط والعالم العربي غير ما هي عليه اليوم. بل العجب، يقول البعض، هو أن النيران المشتعلة في سوريا والعراق واليمن وليبيا، لم تمتد، بعد، إلى لبنان، ولكنه صحيح أيضًا أن هذا الشلل السياسي، وهذا الدوران في حلقة وطنية مفرغة، وهذه الجدران السلبية التي تفصل بين اللبنانيين، سياسيين أو مواطنين، تحمل على الشعور بأن لبنان يعيش على حافة بركان، وأن النجاة من فورانه ليست في يد اللبنانيين، ولا حتى في يد الدول القريبة منه أو البعيدة عنه، وأن الأزمات التي تكبل هذا «الوطن الأخضر الحلو»، تجتاحه من قمته إلى أسفله، عنينا رئاسة الجمهورية والنفايات المنزلية.
إن مشكلة النفايات في لبنان ما كانت لتتحول إلى أزمة سياسية أو محنة وطنية لو كان النظام الديمقراطي البرلماني يعمل كما يجب أو كانت الأوضاع في سوريا والمنطقة غير ما هي عليه. غير أن هذه المشكلة من المفترض أن تحلها مجالس البلديات، إنما هي إنذار للبنانيين، شعبًا وحكومة وأحزابًا ومؤسسات؛ فالبلد الذي تتحول فيه القضايا الصحية الصغيرة إلى قضايا وطنية سياسية ممنوعة من الحل، إنما هو بلد في خطر. وإن ترك الأمور فيه تجري في أعنتها جريمة يتحمل كل اللبنانيين مسؤوليتها، لا الحكومة وحدها، ولا الدول الخارجية..
لقد توقفت الحرب الأهلية (1975 - 1990) في لبنان عندما توافقت دول إقليمية وكبرى على إنهائها، وعندما تأكد الفريقان اللبنانيان المتقاتلان من عجزهما عن الانتصار عسكريًا. وهناك شبه إجماع في لبنان اليوم على أن الأزمات والمحن التي تحيق بلبنان حكمًا وشعبًا لن تتحلحل إلا بعد أن يستقر الوضع في سوريا وربما في العراق، أو عندما تتخلى إيران عن مشروعها المذهبي الإمبريالي، أو عندما تتفق واشنطن وموسكو على النظام الحاكم المقبل في سوريا، قبل أو بعد القضاء على «داعش»، إنما دون كل هذه «الأمنيات» سنوات ومسافات.
على الرغم من كل الأزمات والثورات وخمسة عشر عامًا من الحرب الأهلية وعشرين عامًا من الهيمنة السورية على الحكم والحياة السياسية، ومن الغزوات الإسرائيلية ومن شلل السلطات الدستورية، فإن العمران لم يتوقف، بل غطى معظم الأراضي اللبنانية، ويمكن مشاهدة ذلك بالعين المجردة. كما أن مئات الألوف من اللبنانيين الذين اضطروا إلى الهجرة وكسب العيش في الخارج لم ينزعوا وطنهم من حياتهم وبالهم ومستقبل أولادهم. وكل ذلك يدل على أن هذا الوطن العربي الصغير بحجمه والكبير بأبنائه لن يتمكن أحد من إلغائه أو التحكم به.
اللبنانيون محظوظون لنجاتهم، حتى الآن، مما أصاب سوريا والعراق وليبيا، ولكن الحياة في ظل دولة مشلولة السلطات وعاجزة عن حل مشكلة النفايات، حالة لا يُحسد عليها.