زياد عبد الرحمن السديري
رئيس مجلس إدارة "المركز السعودي للتحكيم التجاري".
TT

المرض الهولندي

في آخر العقد السادس من القرن العشرين الميلادي، اكتُشِف في هولندا مخزونٌ كبيرٌ من الغاز، ونتج عن استخراج هذا المخزون، وتصديره وصرف وارداته في تلك البلاد، آثارٌ ضارة على اقتصادها، تمثلت بارتفاع البطالة وانخفاض الاستثمار فيها، وأطلِق عليها فيما بعد (المرض الهولندي).
ويُفسر المحللون هذه الظاهرة؛ فيقولون إن الارتفاع الكبير في صادرات الغاز الهولندي، وتحويل قيمتها إلى العملة الهولندية، التي كانت آنذاك (القيلدر)، أديا إلى زيادة كبيرة في الطلب على هذه العملة؛ فارتفعت قيمتها. هذا الارتفاع في قيمة العملة الهولندية، إضافة إلى ارتفاع الأسعار والأجور في هولندا بسبب الزيادة الكبيرة في الطلب الداخلي نتيجة صرف الأموال المتحصل عليها من تصدير الغاز، أفضى كله إلى فقدان هولندا القدرة على المنافسة في صناعاتها الأخرى، من غير صناعة استخراج الغاز وتصديره، كما أفضى إلى تراجع الاستثمار في الصناعات الأخرى، وارتفاع البطالة في صفوف المواطنين، وتردّي وضع هولندا الاقتصادي الداخلي.
المرض الهولندي وباءٌ يبدو أنه يصيب كلَّ بلد تتوافر فيه ثرواتٌ طبيعية، ويختار استخراج هذه الثروات بقدرٍ كبيرٍ، ويصرف جُلّ وارداتها في اقتصاده؛ فيشهد ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار والأجور نتيجة للزيادة الكبيرة في الطلب المرتبط بواردات الثروات الطبيعية، لا نتيجة لارتفاع الإنتاجية والقدرة التنافسية؛ فتتراجع مقدّراته التنافسية في الصناعات البديلة الأخرى، وترتفع فيه البطالة، ويصبح مصيرُه الاقتصادي مرتبطًا بواردات ثرواته الريعية، وتقلّب أسعارها، وتبدّل الطلب عليها، ومآلها إلى النضوب.
وعندما يصاحب المرض الهولندي ضعفٌ في مُخرجات تعليم البلد الريعي، وخللٌ في بنيته الاقتصادية، نتيجة قيامها علـى أُسسٍ غير مستقرة ولا مستدامة - ومن ذلك الاعتماد على الأيدي العاملة المستقدمة، والمشروعات والإعانات الحكومية بأشكالها المختلفة - ثم يأتي انخفاضٌ حادٌّ في واردات الثروات الريعية، يتبعه تقلصٌ في الصّرف الحكومي، فتراجعٌ كبيرٌ في الحركة الاقتصادية، وهجرة أموالٍ؛ فيبدو من العبث القولُ إن الأمر لا يعدو استبدال هذا بذاك، أو إن المسألة هي مما يمكن معالجته على وجه السرعة، وبالأدوات ذاتها التي درجت العادة عليها، وبمنأى عن مراعاة الثوابت والعوامل الاقتصادية المؤثّرة.
فالحركة الاقتصادية تحكمها قواعد لا ينبغي تجاهُلُها؛ منها أن الاستثمار ينشطُ، وفرص العمل تتوافر في الاقتصادات ذات المقوّمات الجاذبة لرؤوس الأموال، لا تلك التي تفتقد هذه المقومات، وأن الاستثمار المستدام يكون في القطاعات ذات المزايا التنافسية المنظورة، لا في المشروعات التي تعتمد على الدعم الرسمي غير المستقر، وأن العمل يستلزم الطاقات البشرية المؤهّلة له، المنخرطة فيه، لا أفواج الشباب الفاقدة لهذا، الغائبة عن ذاك، وأن الأجور تحدّدها معدلات الإنتاجية المرجوّة، والعوامل التنافسية المؤثّرة، لا الأماني الشخصية والشعارات العاطفية. فالمشروعات ذات الأثر الاقتصادي المؤثّر الباقي لا تقوم على الاعتبارات الخيرية، وإنما على العوائد المحققة، التي تسمح باستمرارها وتطورها وتوسّعها. والأجور لا يحدّدها، أو يتحمل تكلفتها، في الحقيقة صاحب المنشأة التي يصرفها، وإنما المستهلك الذي يدفع ثمنها أو يأنف منها. والانصراف عن هذه المسائل لسواها مما لا أساس نظريًا، أو تطبيقيًا، صحيحًا له، هو منهج لا مصلحة فيه، ولا فائدة باقية تُرجى منه، كما شهدنا حدوثَه في بعض الدول الريعية التي اختارت هذا السبيل، وسارت عليه لبضعة عقودٍ خلَت، وما تزال.
إنَّ التحدّيات التي تواجه الدول ذات الاقتصادات الريعية التي تعاني الآن من أعراض المرض الهولندي في شكله الجديد المركّب، تتطلب التصدي لأسباب المعضلة، لا مجرد أعراضها. وهذا مشروع شديد التحدّيات، طويل الأمد.