إنعام كجه جي
صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس.
TT

عن الفلامنكو والغرنوق

حمل «النت» مما يحمل من رياح محملّة بغبار الطلع، قصيدة من الشاعرة العراقية دنيا ميخائيل، تهديها إلى طيور الفلامنكو التي هاجرت إلى أهوار بلادنا بعد غياب لأكثر من عشرين سنة. وحين تسكت المدافع تأتي الطيور. وبما أن جماعتنا مجانين شعر، فإنهم يكتبون عن العصافير والزرازير والحساسين والوراوير والنوارس والفخاتي. وها هو الفلامكنو يحلّ ضيفا على القصيد بعد أن عادت أسرابه المهاجرة إلينا واستقبلناها استقبال الدواعش، بالسكاكين. كان هناك من نصب لهذه الطيور البالغة الجمال شباكا في الأهوار ثم ذبحها وباعها لمن طبخها «شوربة» بالثريد.
ما هكذا العهد بالعراقيين في التعامل مع الجمال. هم الذين حيّى شاعرهم الجواهري سفح دجلة يلوذ به، ظمآن، لوذ الحمائم بين الماء والطين. لذلك خرج العشرات من أبناء مدينة العمارة للوقوف أمام مبنى الحكومة المحلية لمحافظة ميسان: «احتجاجا واستنكارا للصيد الجائر الذي تتعرض له طيور الفلامنكو». وتناقل المراسلون والمغردون الخبر. وقرأناه معززا بصورة لشباب يحملون لافتة كبيرة كتبوا عليها: «وزارة الموارد المالية تدعو الحكومات المحلية ومنظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الطبيعة إلى منع الصيد الجائر للطيور المهاجرة». وهنا أيضاً، فإن العهد بالعراقيين أنهم سادة الاحتجاج الذي لا يحرك شعرة في مفرق أهل الحل والربط. لكن الجديد الذي يلفت النظر هو وجود مدافعين عن حقوق الطبيعة، في وقت تنقرض فيه حقوق البني آدمين. ومتى ما وصلت القضية إليهم وإلى منظمات المجتمع المدني، فأبشر بطول سلامة يا مربع.
هذا ما يسمونه ذرّ الرماد في العيون. والقصد ليس الفلامنكو ولا التانغو، بل خشية أن تسحب اليونيسكو أهوارنا من لائحة التراث العالمي، التي دخلتها بشقّ الأنفس، بسبب الحفاوة الدموية بالطيور المهاجرة. والذنب ليس ذنب القرويين ولا ذنب من يجوّع أطفالهم، بل يقع على طيور الفلامنكو نفسها. كيف سوّلت لها نفسها الهجرة إلى بلد يهجّ منه أهله بالملايين! هل نسينا الأغنية الشعبية عن سعاد التي ماتت تحت قوائم جحش البلدية؟ يقول المغني الموصليّ: «والله ما صوج الجحش... صوج البلدية». و«الصُوِج» بلهجتنا، وبالجيم المفخخة بثلاث نقاط، هو الذنب على الجنب.
قبل يومين، نشرت الرسامة والشاعرة العراقية سوسن سيف أبياتا تشبه صيحة فلاحة ريفية هاجم الذئب دجاجاتها: «طيور الفلامنكو أتت هنا، دعوها تمرّ دعوها تطير، دعوها ترقص فوق المياه، دعوها تحطّ فوق الحرير». والسيدة سوسن من خريجات الدفعة الأولى لأكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، أواسط ستينات القرن الماضي. وهي التي رسمت كل مجموعات الطوابع البريدية التي تصور الطبيعة في العراق، ومجموعها 36 طابعاً، بينها ستة عن الطيور المحلية. وقد أدرجوا اسمها في الدليل العالمي للطوابع. وهي اليوم تبكي مجزرة الفلامنكو في ربوعنا.
بحثت عن الاسم العربي لهذا الطائر الجميل. وقالت لي باحثة مغربية إنها سمعت أستاذها محمد البستاني، مُدرّس علوم الطبيعة في مدرسة سيدي إبراهيم في فاس، يسمّي الفلامنكو «رُمّج الماء». وللتأكد، استشرت لسان العرب فوجدته «النحّام». طائر أحمر على خلقة الأوزّ. وفي الحديث: «دخلت الجنّة فسمعت نحمة من نُعيم» أي صوتاً. ويذكر لسان العرب، أيضاً، الغُرنوق. وهو طائر من طيور الماء طويل العنق والقوائم. ويُسمّى أيضا شقيق الماء. وبه يُشبّه الشاب الأبيض الوسيم الناعم. وللمقابلة بين بياضه وسواد الغراب يُقال: «طار الغراب وحطّ في الوكر غُرنوق». أي مضت أيام الفتوة وشاب الرأس.
ارتادت الغرانيق منطقة الأهوار مع 414 نوعاً آخر من الطيور، تذكرها الموسوعات بالاسم. وعندما انتفضت عشائر العراق على الإنجليز في ثورة العشرين، خرجت امرأة تنعى شاباً لقي مصرعه في مواجهة المحتلين، وهزجت: «فالح يا غرنوق، طاسة وخذوها الروم، بيش أحلب النوق؟». ويقال إن المقصود هو فالح، سليل آل السعدون، وكان حسن المنظر ذا رقبة طويلة. ومن بعده تعددت الأسماء في أفواه الأمهات الثكالى، سالم يا غرنوق، وجاسم يا غرنوق، وأبو بكر، وهلم جرا حتى يومنا هذا.