نال كتاب «إدارة التوحش» الكثير من التحليل والنقاش بلغته الأم العربية، وباللغات الأخرى التي ترجم إليها. قيل إنه من تأليف أحد منظري تنظيم القاعدة المكنى بأبو بكر ناجي، الذي قتل في أكتوبر (تشرين الأول) 2008 في باكستان، وأصبح هذا الكتاب خريطة طريق لتنظيم القاعدة وفصائله.
فكرة الكتاب يمكن تلخيصها كالتالي: إن الدول المعرضة للاهتزازات الداخلية يمكنها أن تكون هدفًا للتوحش، والتوحش المعني هنا هو ما يثور من نزاعات بين الناس على الطعام والماء والمأوى في غياب الدولة الراعية. خلال هذه المرحلة الذهبية في نظر المؤلف، وفي هذه الفوضى التي يتجرد الإنسان فيها من قيمه الإنسانية ويتحول إلى حيوان متوحش، تحل التنظيمات الإسلامية محل الدولة المنهارة تمهيدًا لإقامة الدولة الإسلامية المزعومة.
يقر المؤلف بأن الجماعات الإسلامية المتطرفة أخفقت خلال تسعينات القرن الماضي في المرحلة الأولى من مراحل إقامة الدولة الإسلامية وهي ما سماها مرحلة «شوكة النكاية والإنهاك» والتي تتطلب إنهاك الدولة أمنيًا واقتصاديًا حتى تضعف أو تنهار. سبب الفشل أن القيادات العليا لهذه التنظيمات قتلوا أو اعتقلوا على يد الدولة، ومن تسلم القيادة من الصف الثاني تنازعوا أمرهم بينهم، وتولى المرجعية طلاب علم اجتهدوا وأخطأوا في إدارتهم للمرحلة فأفشلوها، ويأتي بمصر والجزائر كنموذجين لهذا الفشل، مشيدًا بحسن البنا مرشد جماعة الإخوان المسلمين الذي تحلى بالذكاء الكافي للحفاظ على جماعته من التفكك في الأربعينات.
تعوّل القيادات العليا للتنظيم على القيام بعمليات نوعية متوسطة أو صغرى لإنهاك الحكومات ماليًا وعسكريًا، كما فعلت باستهدافها معمل بقيق النفطي شرق السعودية، ومحاولة اقتحام مبنى القنصلية الأميركية في جدة في عام 2004، وتأسيس جماعة «بوكو حرام» التي اتخذت من نيجيريا مقرا ونقطة انطلاق لعملياتها في أفريقيا.
الكثير من المحللين يرون أن تنظيم داعش يهتدي في ممارساته الإرهابية بضوء هذا الكتاب الذي وضع استراتيجيات عسكرية لتمكين إقامة دولته الموعودة، من خلال محاولة إنهاك الدول وإشغالها بتأمين المؤسسات الحيوية كالمقار الأمنية والسياسية والنفطية، وجر الجيوش الغربية إلى المنطقة لاستنزافها، واستقطاب الشباب من خلال وسائل الاتصال الحديثة للانضمام لهم وإغوائهم بفكرة «الشهادة» وملذات الجنة.
لكن المثير أن الكتاب وقت ظهوره قبل نحو سبعة أعوام لم يكن بالأهمية التي هو عليها اليوم لأن خلق مناطق الفوضى أو التوحش التي كانت مرحلة أولى وأساسية في خطة التنظيم، قدمت للتنظيم على طبق من فضة من خلال ثورات الربيع العربي، وكأن الأقدار صنعت واقع تطبيق هذه النظريات التي سطرها ناجي ورفاقه. الربيع العربي قفز بالتنظيمات الإرهابية فوق المرحلة الأولى «شوكة النكاية والإنهاك» وهي المرحلة الأكثر صعوبة وتطلبًا، ونقلهم إلى المرحلة الثانية وهي «إدارة التوحش»، بل إن في مناطق مثل ليبيا والعراق وسوريا، تقدمت التنظيمات لتحقيق المرحلة الأخيرة وهي شوكة التمكين أي إقامة الدولة. هذه المرحلة وبحسب الكتاب الذي تم تأليفه قبل ظهور «داعش»، تعني إعلان إمارات إسلامية أو ولايات في مناطق جغرافية متباعدة تقيم فيها نظامها الشرعي والقضائي وتوفر حاجات الناس من الطعام والشراب وتأمين حدودها، تماما كما نرى اليوم في ولاية سيناء وولاية الحجاز وولاية الشام والعراق. هذه التقسيمات المتباعدة، تصعب على الجيوش النظامية القضاء عليها لأنها لا مركزية.
اختار الكتاب، وأذكّر القارئ الكريم مرة أخرى أنه صدر قبل الربيع العربي، اختار دولاً مرشحة لتكون أرضًا للتوحش، أو يمكن جعلها كذلك وفق ما تراه القيادة العليا في تنظيم القاعدة، هذه الدول هي بلاد الحرمين والأردن وبلاد المغرب ونيجيريا وباكستان واليمن. هذه البلدان التي تم ترشيحها مبدئيًا تتوفر فيها، كما ترى قيادة التنظيم، مقومات تؤهلها لأن تكون مناطق توحش، من هذه المقومات التضاريس التي تسمح بإنشاء إدارات توحش منفصلة، ووجود مد إسلامي من سكان هذه المناطق، وثروات اقتصادية تقلق بشأن سلامتها الدول الغربية.
الكتاب يبدي ثقة في سكان الدول المختارة التي وهبهم الله ما لم يهب غيرهم، يعني بذلك المناخ الديني الذي يجعلهم عرضة للاستمالة من مدعي الدين. والحقيقة أن هذه الدول بالفعل لديها طيف إسلامي واسع له رموز تحرك فئة الشباب داخل المجتمع. وهذه الرموز ليست بالضرورة صريحة في الكشف عن تعاطفها مع تنظيم القاعدة أو «داعش»، بل إن أكثرها سذاجة هو من يرفع صوته مجاهرًا بذلك لأنه يعلم أن مرده إلى السجن. المعضلة في الأفاعي التي تبث سمومها ثم تتنصل بالزحف تحت التراب. هي المسؤولة عن هذه السموم التي اختلطت بدماء الشباب الغض، وخلقت في ذهنه تناقضات وضبابية جردته من العقل والضمير من خلال استخدام الإعلام الذي أكد الكتاب أهمية توظيفه لاستقطاب الشباب. هذه الرموز نمايزهم في لحن القول وإن مارست التقية، لم تعد الدعوة للنفير لـ«الجهاد» هي خطابهم، لأن الأوضاع اختلفت، اليوم نراهم ينفذون استراتيجية شق المجتمع بإطلاق مسميات آيديولوجية على مخالفيهم لخلخلة النسيج الاجتماعي واستدعاء الاستعداء. من منا كان يسمع أو يقرأ قبل سنوات قليلة بتصنيفات كالجامي أو الليبروجامي أو الليبروفاشي؟ هي أسماء سموها لتوجيه الرأي العام، محاولة لغرس «شوكة النكاية والإنهاك» في جسد المجتمع تمهيدا لتوحشه.
كل ما تنبأ به الكتاب تحقق بالإجمال، كل الدول المختارة تعيش اليوم حالة من الإنهاك، الاستثناء الوحيد كان السعودية التي لم تنهك ولم يتوحش أهلها، السبب أن أركان الدولة قائمة باقتصادها وبسلطاتها التشريعية والتنفيذية، والقضائية التي حكمت مؤخرا بقتل 47 إرهابيًا ونفذ الحكم قبل يومين، وهو ما يمثل فعلاً مضادًا لمرحلة «شوكة النكاية والإنهاك» التي تستهدف هيبة الدولة وسيادتها، فالقضاء هو عرض الدولة وشرفها، صيانته هو بالامتثال لأحكامه. وإن أردتم معرفة من يعزز إنهاك الدولة من الداخل أو الخارج على منهج تنظيم القاعدة فابحثوا عمن يطالب بالعفو عن إرهابي أوغل في دماء الأبرياء، ورضي بإشاعة الخوف بين الناس، ليوهن هيكل الدولة.
[email protected]
11:8 دقيقه
TT
إدارة الدولة مقابل إدارة التوحش
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
