بندر بن عبد الرحمن بن معمر
كاتب وباحث سعودي مهتم بالتاريخ، له مؤلفات مطبوعة ومقالات وبحوث منشورة. وهو أيضًا رجل أعمال وعضو مجلس إدارة عدد من الشركات، ومستشار لعدة جهات وهيئات.
TT

السعودية ليست في عجلة من أمرها

استمع إلى المقالة

من يتأمل تاريخَ الدولة السعودية، ويتتبع مواقفَها في مواجهة الأزمات والخصومات، يدرك أن من سمات سياستها طول النفس، والقدرة على التمييز بين الأهداف الثابتة والوسائل المتغيرة. فالسعوديون لا يقيسون نجاح سياساتهم بسرعة الوصول إلى النتائج، وإنما بقدرتهم على تحقيق الأهداف والمحافظة على مكتسباتها.

وفي الخطاب الملكي السنوي أمام مجلس الشورى هذا العام، الذي ألقاه ولي العهد نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين، وردت إشارة لافتة إلى ما يشهده العالم من «تحولات متوالية»، وهي إشارة تستدعي التأمل في طبيعة مرحلة يصعب التنبؤ بمآلات كثير من أحداثها؛ وهنا تتأكد أهمية التمييز بين وضوح الغايات وصعوبة التنبؤ بمسارات تحقيقها، فالصبر في السياسة ليس انتظاراً سلبياً، وإنما عملٌ متواصل، وحسنُ تقدير للفرص، واستعدادٌ لاتخاذ القرار المناسب في وقته.

ومع اضطرابات المنطقة المستمرة، واجهت المملكةُ العربيةُ السعوديةُ منذ عهد الملكِ عبد العزيز تحدياتٍ وخصومات متعددةً اختلفت شعاراتُها ودوافعُها وأدواتُها؛ فمن حركات التمرد، إلى المد القومي والصراعات الآيديولوجية، مروراً بسياسات بعض الأنظمة الإقليمية، وموجات الإرهاب، وصولاً إلى التحديات المرتبطة بالمشروع الإيراني والميليشيات المسلحة المتحالفة معه. ولم تكن تلك المواجهات متماثلة في طبيعتها أو أهدافها، لكنَّها اختبرت قدرة الدولة السعودية على حماية أمنها واستقلال قرارها.

وإذا كانت تلك المواجهات تختلف في ظروفها وأسبابها، فإنَّ مآلاتها تستحق التأمل. فقد انحسر المشروعُ الناصري، وسقط نظاما صدام والقذافي وغيرهما، واندحر الإرهاب وتراجعت حركاتٌ رفعت يوماً شعارات تغيير المنطقة، بينما واصلت الدولة السعودية بناءَ مؤسساتها وتطوير اقتصادها وتعزيز حضورها الدولي. وهنا ملمح مهمٌّ لفهم الفارق بين المشاريع التي تربط مستقبلها بشعارات اللحظة، والدول التي تنظر إلى مصالحها في سياق تاريخي أطول، ولعل المشروع الإيراني يقدم مثالاً معاصراً لهذه المقارنة.

فبعد سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، شاعَ في الخطاب السياسي الإيراني الحديثُ عن سقوط أربع عواصم عربية في دائرة نفوذ طهران: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. وكان ذلك تعبيراً عن مرحلة بدا فيها المشروع الإيراني في ذروة تمدده، مستفيداً من ضعف مؤسسات بعض الدول، لكن أين أصبحت تلك العواصم بعد اثني عشر عاماً؟

في دمشق، أدى سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024 إلى فقدان إيران أحد أهم حلفائها، وانقطاع حلقة رئيسية في امتداد نفوذها. وفي بيروت، تعرض «حزب الله» لخسائر عسكرية وسياسية، وتغيَّرت موازين القوى. أما بغداد، فما زالت تتداخل فيها المصالح الوطنية مع نفوذ قوى إقليمية متعددة، وها هي صنعاء تستعد للتحرر من التسلط الحوثي.

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بما بقي لإيران من نفوذ فحسب، وإنما بما كسبته من مشروعها الإقليمي، وما خسرته في سبيله. فقد امتلكت طهران أوراقاً للتأثير خارج حدودها، لكنها واجهت أيضاً عقوبات وضغوطاً اقتصادية، وخسائر أصابت حلفاءها، وصولاً إلى الحرب الأميركية - الإسرائيلية، وما حملته من أعباء عسكرية واقتصادية وتداعيات طالت المنطقة بأسرها.

وفي المقابل، كان المشروع السعودي يمضي في مسار مختلف؛ دولة تستثمر مواردها في تنويع الاقتصاد، وتطوير البنى التحتية، وتوسيع فرص الاستثمار والعمل، وتعزيز مكانتها الدولية. ولم تكن بمنأى عن تكاليف الاضطرابات الإقليمية، لكنها جعلت التنمية محوراً رئيسياً في حساباتها الاستراتيجية.

وهنا يبرز سؤال: ما الذي يبقى للدولة وشعبها من ثمار خياراتها السياسية بعد سنوات من الصراع؟ فامتلاك النفوذ خارج الحدود لا يعني بالضرورة القدرة على تحويله إلى أمن وازدهار في الداخل، كما أن نجاح المشروعات التنموية يتطلب بيئة إقليمية مستقرة تحمي مكتسباتها.

وليس معنى ذلك أن السعوديين يتجنبون المواجهة مهما بلغت التهديدات، أو أن انشغالهم بالتنمية يجعلهم أقل استعداداً للدفاع عن بلادهم، لأنهم لا يبحثون عن الحروب؛ لكنهم يدركون أن المحافظة على الأمن والاستقرار له تكاليفه المادية والبشرية، وأن الاعتداءات على أراضيهم ومنشآتهم تستوجب التعامل معها بما يحفظ أمنها وسيادتها. كما علمتهم تجاربهم أن الصبر الاستراتيجي لا يتعارض مع الحزم، وأن القدرة على الرد لا تقتضي بالضرورة التعجل في استخدام كل أدوات القوة. فليست الحكمة في تجنب المواجهة دائماً، ولا في خوضها عند كل استفزاز، وإنما في معرفة متى تكون ضرورية، وكيف تُدار، وما الذي ينبغي أن يتحقق بعدها.

ولم يكن قرار تدخل تحالف دعم الشرعية في اليمن عام 2015م نقيضاً لهذا النهج، فسرعة اتخاذ القرار عند قيام التهديد لا تعني استعجال النتائج، كما أن طول أمد المواجهة لا يُعفي من مراجعة الوسائل وتقدير تكاليفها. فالحزم في حماية الأمن شيء، وبناء الاستقرار السياسي المستدام شيء آخر، وإن كان أحدهما متصلاً بالآخر.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة مستقبل صنعاء؛ فاستعادة العاصمة من سيطرة الحوثيين تمثل هدفاً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وتتصل بالمصلحة السعودية في قيام دولة يمنية مستقرة، تمتلك مؤسساتها قرارها، ولا تكون أراضيها منطلقاً لتهديد جيرانها أو الممرات المائية الاستراتيجية.

ويستتبع ذلك جهودٌ لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق المصالحة الوطنية، ومعالجة آثار الحرب. ومن هنا فإنَّ التريث في اختيار الوسائل لا ينبغي أن يُفهم تراجعاً عن الغايات، والمهم بعد الحسم العسكري كيف يُضمن استدامة الاستقرار؟

وفي ظل المواجهة مع الحوثيين، تأتي توجيهات خادم الحرمين الشريفين بالاستجابة لطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، والبدء بإجراءات تصحيح أوضاع اليمنيين الموجودين على الأراضي السعودية بطرق غير نظامية.

لقد تغيَّر الخصوم، وتبدلت شعاراتهم وتحالفاتهم، كما تغيَّرت أدوات المواجهة وظروفها. لكن التجربة السعودية ظلت تقدم نموذجاً في الجمع بين وضوح الأهداف، والمرونة في الوسائل، والمحافظة على المبادئ. وهي معادلة تزداد أهميتها في منطقة تتسارع أحداثها، وتتغير فيها موازين القوى، ويصعب التنبؤ بمآلات صراعاتها.

بقي أن أشير إلى أننا أمام منطقين: منطق الثورة والميليشيات، وآثاره وتداعياته ماثلة للعيان؛ أما منطق الدولة فلخّصه ولي العهد في مقابلة متلفزة عام 2017 بقوله: القوات المسلحة السعودية بإمكانها اجتثاث ميليشيات الحوثيين خلال أيام قليلة، ولكننا لن نقوم بذلك حفاظاً على أرواح المدنيين في اليمن وتجنباً للخسائر في صفوف القوات السعودية.

السعوديون ليسوا في عجلة من أمرهم، لكنهم ليسوا في غفلة عمّا يجري حولهم. يعرفون متى يصبرون، ومتى يحسمون، ويدركون أن الدفاع عن الوطن لا يتعارض مع بناء مستقبله، وأنَّ الدول لا تُقاس بما تخوضه من حروب، وإنَّما بما تحافظ عليه من أمن، وما تحققه لشعوبها من استقرار وازدهار. أما الإيقاع، فكعادته، ليس إيقاع العناوين.