غسان شربل
كاتب وصحافي لبناني. رئيس تحرير «الشرق الأوسط» منذ 2016. ترأس تحرير صحيفة «الحياة» ومجلة «الوسط» سابقاً. بدأ عمله في صحيفة «النهار» محرراً ثم معلقاً في قسم الشؤون العربية والدولية، وانتقل إلى وكالة الصحافة الفرنسية، ومنها إلى صحيفة «الشرق الأوسط».
TT

السعودية وفرنسا والاستثمار في المستقبل

استمع إلى المقالة

تمتحن أزمنة القلق الدولَ والرجال. تميل غالبيةُ الدول إلى الانكفاء أمام العاصفة، والاكتفاء بمحاولة حصر الأضرار مع قبول الإقامة لاحقاً في عالم يصنعه الآخرون. وتختار دولٌ أخرى النهوض بمسؤولياتها الوطنية والدولية للمشاركة في الخروج من زمن القلق وصناعة عالم ما بعده. وهي مشاركة تفترض حسن قراءة الأسباب العميقة للأزمات وحسن إدارة أوراق القوة في إطار رؤية تتوافق وتطلع الناس إلى ما يفتح أبواب الاستقرار والتقدم والازدهار.

زيارة الدولة التي يقوم بها وليُّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا، تندرج في خيار عدم الاستسلام للعاصفة والبحث عن ركائز استقرار سعياً إلى عالم أقل قلقاً في الشرق الأوسط وأوروبا معاً، وبين المنطقتين ترابط مصالح ومصائر.

يبدو العالم اليوم في صورة طائرة عملاقة انزلقت إلى مسار طويل من المطبات الجوية غير المسبوقة. أصعبُ ما في الرحلة غياب صمامات الأمان. تراقب الشرعية الدولية عاجزةً تهديداتٍ كبرى للأمن والاستقرار والاقتصاد الدولي. يترافق ذلك مع غياب الحد الأدنى من التوافق في نادي الكبار، خصوصاً بعد انخراط اثنين من أعضاء النادي في حربين يصعب حسمهما بالوسائل العسكرية وحدها.

في باريس يشعر الزائر بأنَّ أوروبا والشرق الأوسط يتشاركان في قلق عميق من المشهد الدولي الحالي الذي ينذر بمخاطر استثنائية. تعيش أوروبا تجربة هي الأصعب منذ الحرب العالمية الثانية. قبل خمس سنوات غزتِ القوات الروسية أوكرانيا، ولم تنجح كلُّ الجهود حتى الساعة في وقف للنار. حرب أعادتِ القارة القديمة إلى التفكير في أنَّ روسيا لم تعد شريكاً موثوقاً، أو يمكن التنبؤ بحدود مطامعه. للمرة الأولى منذ انتحار الاتحاد السوفياتي استيقظت عبارة الخطر الروسي في ملفات الدبلوماسيين والجنرالات.

يرى دبلوماسيٌّ فرنسيٌّ عمل طويلاً في الشرق الأوسط، أنَّ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض هزَّت منظومة العلاقات الدولية بسبب أسلوبه القائم على المفاجآت والصفقات والصدمات والانعطافات ومن خارج القاموس السابق وضوابطه. أشار إلى العبارات الجارحة التي وجهها ترمب إلى حلف «الناتو» والقارة القديمة وسلسلة الإشكالات مع أبرز دولها. وهكذا، اكتشفت أوروبا أنَّه لم يعد من حقها النوم على حرير الوسادة الأميركية إذا تعرض أمنها للخطر، وأنَّ عليها تحديث ترساناتها والذهاب بعيداً في الإنفاق عليها.

أضيف إلى قلق أوروبا على أمنها وعلاقاتها مع أميركا، القلقُ الدولي الشامل على استمرار تدفق النفط والغاز ومسارات التجارة العالمية. تحويل مضيق هرمز رهينة في أيدي جنرالات «الحرس الثوري» حدث بالغ الخطورة لدول المنطقة وللاقتصاد العالمي بأسره. والغموض الذي يكتنف المواجهة الأميركية - الإيرانية ونهاياتها المحتملة يعزز المخاوف من تكريس أعراف جديدة تقود إلى اضطراب دائم.

قال الدبلوماسي إنَّ أوروبا تتساءل عن موقعها المقبل في ظلّ السلوك الأميركي والتشدد الروسي والصعود الصيني. تتساءل عن موقعها ومعه عن أمنها واقتصادها وقدرتها على المنافسة وحماية مصالحها. واعتبر أنَّ من الطبيعي أن تتساءل دول الشرق الأوسط عن مستقبلها أيضاً بين مشروع زعزعة الاستقرار الإيراني، والسياسة المتهورة لحكومة بنيامين نتنياهو، والفشل الاقتصادي في بعض الدول، ومشكلات الدول المتصدعة في أماكن أخرى. ورأى أنَّ محادثات الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس إيمانويل ماكرون ترتدي أهميةً استثنائية، خصوصاً أنَّها تأتي في زمن صعب دولياً وفي أوروبا والشرق الأوسط.

في السنوات الأخيرة أظهرت باريس والرياض حرصاً متبادلاً على تعميق العلاقة القائمة بينهما. والأمر طبيعي، ذلك أنَّ كلتا الدولتين تدرك أهمية الأخرى وما يمكن أن تقدمه في مجالات عدة. فرنسا دولة صناعية متقدمة تسابق الوقت في زمن الذكاء الاصطناعي والثورات التكنولوجية المتلاحقة. وهي دولة نووية توفر مظلة لدورها الرائد في أوروبا. ثم إنها دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن تمتلك فيه حق النقض وحضوراً واقعياً في تناول أزمات العالم. يضاف إلى ذلك أن فرنسا صاحبة الحضور القديم في الشرق الأوسط، أظهرت رغبة جدية في حل معضلاته. وخير مثال تحركها المشترك مع السعودية لفتح الأفق أمام قيام دولة فلسطينية. وإذا كان لدى فرنسا ما تقدمه في شؤون الدفاع والدبلوماسية والتجارة فإنَّها تتميز أيضاً بإشعاع ثقافي وتجربة غنية في السياحة وحفظ كنوز الماضي.

في المقابل، تدرك فرنسا أهمية السعودية وثقلها الاقتصادي والسياسي والديني في العالم العربي والإسلامي. تدرك أيضاً أنَّ «رؤية 2030» التي أطلق الأمير محمد بن سلمان شرارتها أيقظت المزيدَ من مكامن القوة لدى السعودية. في الأعوام الأخيرة تحوَّلت السعودية ورشةً مفتوحة للتحول الاقتصادي المتسارع المتكئ على التخطيط والإفادة من التطور التكنولوجي. تحوَّلت نموذجَ تقدم وانفتاح ولاعباً ديناميكياً في الإطارين العربي والدولي، وتتميز بدبلوماسية نشطة عمَّقت علاقات المملكة بالقوى الكبرى ورسخت شراكات متنوعة. وأظهرت السعودية قدرة مميزة على ممارسة سياسات عاقلة في منطقة شبه مجنونة لا يتردد بعض دولها في الغرق في ممارسات عدوانية أو شبه انتحارية. اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا نموذجٌ لبناء ركائز استقرار في عالم مضطرب.

يرتدي انعقاد مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي - الفرنسي للمرة الأولى أهميةً استثنائية. يمكن قول الشيء نفسه عن الحوار حول الممرات الجديدة للطاقة والمبادرات السياسية للمشاركة في بناء عالم ما بعد الاضطراب الكبير. تدرك الرياض أهميةَ البوابة الأوروبية التي تمثلها فرنسا. وتدرك باريس أهميةَ البوابة العربية والإسلامية التي تمثلها السعودية. وهكذا، يبدو موعدُ محمد بن سلمان وماكرون قراراً بالاستثمار في المستقبل رغم القلق الدولي الشائع.