كيف ترسل «غوغل» تنبيهات بالزلازل قبل وقوعها؟

التقنية ساهمت في إنقاذ حياة الآلاف في السنوات الأخيرة

هزة أرضية بقوة 5.6 درجة ضربت مصر وشعر بها سكان القاهرة (رويترز)
هزة أرضية بقوة 5.6 درجة ضربت مصر وشعر بها سكان القاهرة (رويترز)
TT

كيف ترسل «غوغل» تنبيهات بالزلازل قبل وقوعها؟

هزة أرضية بقوة 5.6 درجة ضربت مصر وشعر بها سكان القاهرة (رويترز)
هزة أرضية بقوة 5.6 درجة ضربت مصر وشعر بها سكان القاهرة (رويترز)

فوجئ عددٌ من سكان القاهرة والمحافظات المصرية فجر الاثنين، بتنبيهات عاجلة ظهرت على شاشات هواتفهم الذكية التي تعمل بنظام تشغيل «أندرويد»، تحذّرهم من «هزة أرضية وشيكة»، وذلك قبل ثوانٍ قليلة من شعورهم الفعلي بالزلزال الذي ضرب البلاد وبلغت قوته 5.6 درجة بمقياس ريختر.

وشعر سكان مصر بالهزة الأرضية في منطقة واسعة وصولاً إلى العريش قرب الحدود المصرية مع قطاع غزة.

هذا المشهد الذي تكرر في مناطق واسعة من القاهرة، أثار تساؤلات كثيرة حول التقنية التي مكَّنت «غوغل» من التنبؤ بالزلزال وتنبيه السكان قبل وقوعه.

شبكة رصد عالمية في جيبك

تعتمد «غوغل» في هذه الخدمة على ما يسمى «نظام أندرويد لتنبيهات الزلازل» (Android Earthquake Alerts System). وتكمن عبقرية هذه التقنية في تحويل ملايين الهواتف الذكية التي تعمل بنظام أندرويد إلى «مقياس زلازل» (Seismometer) مصغر.

ويعني ذلك أن كل هاتف أندرويد يحتوي على مستشعر صغير يسمى «مقياس التسارع» (Accelerometer)، وهو المستشعر المسؤول عن تحديد اتجاه الهاتف (أفقي أو رأسي) وتتبع حركته. عندما يكون الهاتف ثابتاً وموصولاً بالشاحن أو موضوعاً على سطح مستوٍ، يمكن لهذا المستشعر رصد الاهتزازات الدقيقة التي تسبق الموجات الزلزالية المدمرة.

كيف تعمل التقنية؟

ويعمل نظام «غوغل» تماماً مثل أنظمة الكشف التقليدية؛ إذ تكتشف هواتف أندرويد الموجات الزلزالية التي تنبعث من مركز الزلزال، وعندما يرصد الهاتف تلك الموجات، يُرسل البيانات والإحداثيات التقريبية للموقع إلى خوادم «غوغل»، التي تبحث بدورها عن مصدر الزلزال. وبمجرّد تحديد المصدر بمستوى كافٍ من الدقة، تُرسل التنبيهات. وعلى الفور، يستقبل الأشخاص هذه الرسائل قبل أن تبدأ الأرض بالاهتزاز؛ لأنّ الرسائل الإلكترونية تنتقل أسرع من الموجات الزلزالية.

 

تعتمد العملية على مبدأ فيزيائي بسيط وسرعة فائقة في معالجة البيانات:

1. الرصد الأولي: عندما يكتشف الهاتف اهتزازاً يتوافق مع خصائص الموجات الزلزالية، يرسل إشارة فورية إلى خوادم «غوغل» المركزية، متضمنة موقعاً تقريبياً للهزة.

2. التحقق الجماعي: لا تعتمد «غوغل» على هاتف واحد؛ بل تنتظر وصول إشارات مماثلة من مئات أو آلاف الهواتف في المنطقة الجغرافية نفسها وفي اللحظة ذاتها.

3. إرسال التنبيه: بمجرد تأكد الخوادم من وقوع زلزال، يتم إرسال تنبيهات فورية للهواتف في المناطق المتوقع تأثرها. وبما أن إشارات الإنترنت تنتقل بسرعة الضوء، بينما تنتقل الموجات الزلزالية عبر الأرض بسرعة أبطأ بكثير، فإن التنبيه يصل للمستخدمين قبل وصول الاهتزاز الفعلي بمدة تتراوح بين ثوانٍ معدودة إلى نصف دقيقة.

حالات بارزة لنظام تنبيه الزلازل

نظام تنبيه الزلازل من «غوغل» فاعليته في كثير من الكوارث الطبيعية حول العالم، حيث أسهمت الثواني المعدودة التي يوفرها التنبيه في منح الناس فرصة لاتخاذ تدابير السلامة. فيما يلي أبرز الأمثلة العالمية التي حقق فيها النظام نجاحاً ملموساً.

 

تعدّ الدول التي تفتقر إلى شبكات رصد زلزالي تقليدية ومكلفة هي الأكثر استفادة من هذه التقنية، حيث تعوض الهواتف الذكية غياب الأجهزة الأرضية المتخصصة.

 

الفلبين - نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 - 6.7 درجة

أرسل النظام أول تنبيه بعد 18.3 ثانية فقط من بدء الهزة؛ ما منح السكان وقتاً كافياً للابتعاد عن الأجسام القابلة للسقوط.

فنزويلا – يونيو (حزيران) 2026 - 6.0 درجة

تلقى ملايين المستخدمين تنبيهات قبل وصول الموجات الزلزالية العنيفة، ورصدت التقارير إخلاء مكاتب في كاراكاس بنجاح بفضل التنبيه.

هايتي - أغسطس (آب) 2021 - 7.2 درجة

في ظل غياب البنية التحتية، أسهمت الهواتف في توفير بيانات فورية ساعدت فرق الإنقاذ في تحديد المناطق الأكثر تضرراً بسرعة.

 

اليونان – أبريل (نيسان) 2021 - 5.0 درجة

كانت من أوائل الدول التي اختبرت النظام عالمياً، وأثبتت الهواتف قدرتها على رصد الهزات في المناطق الجبلية والنائية.

 

بين عامي 2021 و2024، أرسل نظام الإنذار المبكر بالزلازل (AEA) تحذيرات لملايين الأشخاص في 98 دولة. وشمل ذلك أكثر من نصف مليون شخص في تركيا وسوريا تلقوا تنبيهاً في 6 فبراير (شباط) 2023، قبيل وقوع زلزال بلغت قوته 7.8 درجة. وحسب باحثي «غوغل»، فقد صدرت تنبيهات لـ1279 حدثاً زلزالياً، ثلاثة منها فقط كانت إنذارات خاطئة، اثنان منها ناجمان عن عواصف رعدية، وفق تقرير العام الماضي لدورية «ساينس».

 

ونظام تنبيه الزلازل لنظام أندرويد ليس مصمماً ليحل محل الأنظمة التقليدية، بل ليكملها. وتؤكد «غوغل» أنها ستواصل العمل على هذا النظام لتحسين أوقات الإنذار للزلازل المستقبلية.


مقالات ذات صلة

السيسي يؤكد رفض تهجير الفلسطينيين وتغيير الواقع الجغرافي لغزة والضفة

شمال افريقيا الرئيس السيسي قال: «نتطلع إلى تضافر الجهود الدولية لتخفيف المعاناة عن الفلسطينيين في قطاع غزة» (الرئاسة المصرية)

السيسي يؤكد رفض تهجير الفلسطينيين وتغيير الواقع الجغرافي لغزة والضفة

شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على «رفض بلاده القاطع لأي محاولات تستهدف تغيير الواقع الديموغرافي أو الجغرافي في قطاع غزة والضفة الغربية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا مطالبات في مصر بمراجعة تأمين شاشات الطرق الرقمية (الجهاز القومي لإعلانات الطرق)

مصر: واقعة «اختراق اللوحة الإعلانية» تثير تساؤلات حول الأمن الرقمي

أثارت واقعة «اختراق شاشة إعلانية إلكترونية»، بمحافظة الجيزة في مصر، تساؤلات حول إجراءات «التأمين الرقمي» للافتات الطرق العامة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محادثات بين الرئيس المجري أندراش باكا ونظيره المصري في بودابست الجمعة (الرئاسة المصرية)

السيسي في بودابست... تعزيز للشراكة والتعاون الاقتصادي

تطلعات مصرية لتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع المجر عشية الاحتفال بمرور مائة عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا السفير التركي لدى القاهرة صالح موطلو شن خلال احتفال سفارة بلاده بذكرى تأسيس الجمهورية التركية (السفارة التركية بالقاهرة)

التقارب العسكري المصري - التركي يتجاوز خلافات «الاتفاق البحري» في «المتوسط»

جاء إعلان السفير التركي في القاهرة صالح موطلو شن، عن اتجاه البلدين لإنتاج صواريخ وطائرات، ليؤكد أن التقارب العسكري يتجاوز الخلاف بشأن «مذكرة التفاهم» التركية-

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون قد يلجأون إلى وضعهم مدخراتهم في البنوك بعد رفع الفائدة (الشرق الأوسط)

بعد رفع الفائدة... كيف تتغير أولويات الشراء والادخار لدى المصريين؟

دفع قرار «البنك المركزي» برفع سعر الفائدة للمرة الأولى منذ نحو ثلاث سنوات ونصف السنة، إلى تساؤلات حول تأثيره على أولويات الشراء والادخار لدى المصريين.

عصام فضل (القاهرة )

«بوليفارد وورلد»... رحلة بين حضارات متعددة ضمن «موسم الرياض»

«بوليفارد وورلد» تتيح لزوارها استكشاف وجهات عالمية متنوعة (واس)
«بوليفارد وورلد» تتيح لزوارها استكشاف وجهات عالمية متنوعة (واس)
TT

«بوليفارد وورلد»... رحلة بين حضارات متعددة ضمن «موسم الرياض»

«بوليفارد وورلد» تتيح لزوارها استكشاف وجهات عالمية متنوعة (واس)
«بوليفارد وورلد» تتيح لزوارها استكشاف وجهات عالمية متنوعة (واس)

افتتحت منطقة «بوليفارد وورلد»، الجمعة، أبوابها مُجدَّداً للزوار ضمن النسخة السابعة من «موسم الرياض»، مُستندةً في عودتها للعام الخامس على التوالي إلى حضورها البارز والإقبال الكبير عليها من الجمهور داخل السعودية وخارجها.

وتستقبل «بوليفارد وورلد» زوارها برحلة بين ثقافات وحضارات متعددة، عبر مناطق مستوحاة من دول العالم، تتجسَّد فيها ملامح التراث والثقافة من خلال التصاميم المعمارية والأسواق والمطاعم والحرف التقليدية والعروض الفنية، لتتيح للزوار استكشاف وجهات عالمية متنوعة.

ويتنقَّل الزوار بين وجهات تمثل السعودية والكويت وتركيا وإيران واليابان والصين وفرنسا وإيطاليا والمغرب واليونان والمكسيك ومصر والولايات المتحدة والهند وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وإسبانيا.

وتتضمن «بوليفارد وورلد» مناطق مستوحاة من ثقافات أفريقيا وآسيا وبلاد الشام، وتضم كل وجهة مطاعم ومتاجر وعروضاً حية تعكس طابعها الثقافي، لتتنوع تجربة الزيارة بين المذاقات والتسوق والفنون.

وجهات «بوليفارد وورلد» تضم مطاعم ومتاجر وعروضاً حية تعكس طابعها الثقافي (واس)

كما تجمع خيارات ترفيهية تناسب مختلف الأعمار، من بينها اللعبة المائية «Amazonia Awakens»، وسينما «Vuz Dome» بعروضها المحيطية بزاوية 360 درجة، وألعاب «BLVD Pier»، و«التلفريك» الذي يتيح مشاهدة المنطقة من الأعلى، وتجارب المغامرات، والألعاب التفاعلية، والسباقات.

وتبرز «البحيرة» بوصفها إحدى أبرز محطات الزيارة في «بوليفارد وورلد»، بما توفره من تجارب مائية تشمل التاكسي المائي والقوارب المتنوعة، كما تتيح منطقة أفريقيا تجارب مشاهدة الحيوانات والتفاعل معها، إلى جانب مناطق الألعاب والأنشطة العائلية المخصصة للأطفال.

ومنذ انطلاقها عام 2022، رسَّخت «بوليفارد وورلد» مكانتها ضمن أبرز وجهات «موسم الرياض»، بما حققته من إقبال جماهيري خلال الأعوام الماضية، وما تجمعه من خيارات ترفيهية متنوعة في وجهة واحدة.


التوقيت الشتوي يربك روتين مصريين ويثير التندر على مواقع التواصل

بدء التوقيت الشتوي في مصر (يوتيوب)
بدء التوقيت الشتوي في مصر (يوتيوب)
TT

التوقيت الشتوي يربك روتين مصريين ويثير التندر على مواقع التواصل

بدء التوقيت الشتوي في مصر (يوتيوب)
بدء التوقيت الشتوي في مصر (يوتيوب)

اضطر الأربعيني محمد السيد، مهندس برمجيات، إلى تغيير روتينه اليومي والاستيقاظ مبكراً للذهاب من منزله بإمبابة (غرب القاهرة) إلى الشركة التي يعمل بها في التجمع الخامس (شرق القاهرة)، حيث يستغرق الطريق نحو ساعة، فبدلاً من الاستيقاظ في الثامنة أصبح يستيقظ في السابعة ليتمكن من الوصول لعمله، وهو ما جعله يتخلى عن عادته اليومية بلقاء أصدقاء له بعد العمل والسهر لوقت متأخر.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «اعتدت على روتين معين في عملي وحياتي لكن يبدو أنه لا يناسب التوقيت الشتوي، وفي الحقيقة كل عام في هذا الوقت أحتاج لفترة حتى أرتب تفاصيل حياتي اليومية من جديد؛ إذ يصبح النهار قصيراً وساعات الليل أطول، مما يضطرني للاستيقاظ مبكراً لبدء العمل في وقت أبكر من المعتاد، وبالتالي لا أسهر حتى وقت متأخر في الليل».

ويلجأ عديد من المصريين لتغيير عاداتهم وروتينهم اليومي بسبب تغيير التوقيت الذي يتم في الجمعة الأخيرة من شهر أكتوبر (تشرين الأول) كل عام، ويتم تأخير الساعة في بداية هذا اليوم مما يمد ساعات الليل بساعة إضافية تخصم من ساعات النهار.

وقبل تغيير التوقيت، أعلنت عدة مؤسسات خدمية حكومية مثل هيئة السكك الحديد ومترو الأنفاق وغيرها عن تغيير في مواعيدها وفقاً للتوقيت الشتوي، بالإضافة إلى إعلان البنوك العاملة في مصر عبر رسائل نصية عن توقف الخدمات لعدة ساعات نهاية يوم الخميس وبداية يوم الجمعة مع بدء التوقيت الشتوي.

السهر على المقاهي من العادات المشهورة بمصر (الشرق الأوسط)

وتؤكد أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس الدكتورة سامية خضر صالح أن التوقيت الشتوي يغير الكثير من عادات المصريين وروتينهم اليومي، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «بينما يتميز التوقيت الصيفي وأيام الصيف ولياليه بالحركة والسهر طويلاً، ويتساوى في ذلك الفقراء والأغنياء وأهل المدن والقرى، فالجميع يسهر مع الأهل أو الأصدقاء بالخارج أو في المنازل حتى وقت متأخر بعد منتصف الليل»، وتضيف: «بينما يقلص التوقيت الشتوي ساعات النهار ويطيل ساعات الليل فيعتاد الكثير من الأسر على النوم مبكراً خصوصاً في أيام الدراسة، دون سهر بالخارج في النوادي أو الشوارع أو على المقاهي أو سهر بداخل البيت أمام التلفزيون، كل هذه العادات تختفي تقريباً في الشتاء أو تتقلص إلى حد كبير».

وتصدر تغيير التوقيت وبدء العمل بالتوقيت الشتوي، يوم الجمعة 30 أكتوبر، الاهتمام، وظهر على قوائم «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الجمعة، وسط انتشار لافت للمنشورات والتعليقات و«الكوميكس» الساخر التي ترصد آثار تغيير التوقيت على الحياة اليومية للمصريين.

مستخدمو وسائل التواصل استخدموا تعليقات ساخرة (إكس)

وأبرز مستخدمون لوسائل التواصل الاجتماعي ومواقع إلكترونية تعليقاً للمذيعة ياسمين عز تتحدث عن بدء التوقيت الشتوي وتعتبره ساعة إضافية يمكن الاستفادة منها في الحياة الأسرية، بينما وصفت تعليقاتٌ التوقيتَ الشتوي بأنه مؤشر على «الظلام المبكر»، في إشارة لإطالة ساعات الليل.

وأرجع الخبير في «السوشيال ميديا» معتز نادي أن «سر انتشار التوقيت الشتوي على منصات التواصل الاجتماعي أنه من الموضوعات التي تمس تفاصيل الحياة اليومية، وتمنح كل شخص فرصة للتعبير عن تجربته بطريقته الخاصة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «البعض يحتفل بساعة إضافية للنوم في ليلة تغيير التوقيت، وآخرون يشتكون من حلول الظلام مبكراً، واضطراب مواعيد العمل والدراسة والنوم، ومعها تتحول تجربة يومية مشتركة إلى مساحة واسعة للتعليقات والمواقف الساخرة، فضلاً عن كتابات وتعليقات إذا حللت مضمونها فستجدها مكررة في كل عام من باب التندر والكوميديا».

وأشار إلى أنه «ترند» قريب من الناس، وسر جاذبيته أنه لا يحتاج إلى نجوم أو أحداث استثنائية، فكل مستخدم لديه تجربة يستطيع روايتها، «وهذا يفسر كيف تتحول ساعة واحدة إلى حديث ملايين المستخدمين»، على حد تعبيره.


«منتدى الأفلام السعودي» يوثق ذاكرة الدراما السعودية

TT

«منتدى الأفلام السعودي» يوثق ذاكرة الدراما السعودية

تضمّن المنتدى أجندة ثرية شملت مؤتمراً يحتضن جلسات حوارية ومعرضاً للشركات ذات الصلة (منتدى الأفلام السعودي)
تضمّن المنتدى أجندة ثرية شملت مؤتمراً يحتضن جلسات حوارية ومعرضاً للشركات ذات الصلة (منتدى الأفلام السعودي)

شهدت النسخة الرابعة من «منتدى الأفلام السعودي» بمدينة الرياض حراكاً سينمائياً واقتصادياً، تحت شعار «لقاء صُنّاع المشهد»، حيث توّجت أعمالها بإطلاق التقرير السنوي لصناعة الأفلام السعودية 2025 الذي كشف عن نمو قياسي في الإيرادات وتجاوز شُباك التذاكر حاجز 920 مليون ريال، إلى جانب توقيع اتفاقية لإيداع مجموعة الفنان عبد الله السدحان بما تضمُّه من مقتنيات أرشيفية ومواد لمسلسل «طاش ما طاش» في الأرشيف الوطني للأفلام؛ لصون ذاكرة الدراما الوطنية.

وفي قلب العاصمة السعودية، وتحت شعار «لقاء صُنّاع المشهد»، انطلقت في استوديوهات «جاكس» للأفلام بمدينة الرياض أعمال النسخة الرابعة من «منتدى الأفلام السعودي»، على مدى يومين، وجمعت تحت سقف واحد نخبة من قيادات القطاع، وصنّاع القرار، والمحترفين، والمختصين في صناعة السينما.

وتضمّن المنتدى أجندة ثرية شملت مؤتمراً يحتضن جلسات حوارية، ومعرضاً للشركات ذات الصلة بقطاع الأفلام، إلى جانب ورش عمل متخصصة.

نائب وزير الثقافة حامد بن محمد فايز خلال افتتاح المنتدى (وزارة الثقافة)

واستهلّ المؤتمر جلساته على المسرح الرئيسي بلقاء حواري بارز بعنوان «الإعلام والأفلام: كيف يصنع قطاعان قصة نمو واحدة؟»، شارك فيه الرئيس التنفيذي للهيئة العامة لتنظيم الإعلام الدكتور عبد اللطيف العبد اللطيف، والرئيس التنفيذي لهيئة الأفلام المهندس عبد الله بن ناصر القحطاني، وأدارته الإعلامية تغريد الهويش.

أرقام قياسية ونمو متصاعد في تقرير 2025

وشهدت النسخة الرابعة من المنتدى حدثاً بارزاً تمثَّل في إطلاق التقرير السنوي لصناعة الأفلام السعودية 2025، والذي يستعرض أبرز مؤشرات أداء القطاع السينمائي في السعودية ومنجزاته وتطوراته.

ويُعد هذا التقرير المرجع الأساسي لرصد أداء القطاع ومؤشراته وتحولاته، كما يشكل أداة استراتيجية تدعم الشفافية وتوفر بيانات موثوقة لصنّاع القرار والمستثمرين والعاملين بالقطاع.

واستعرض حفل الإطلاق أبرز ما تضمّنه التقرير من مؤشرات نمو قياسية على مستوى الإيرادات، والإنتاج، والحوافز، والحضور الدولي.

ورش عمل مصاحبة للمشتغلين في حقول الأفلام المختلفة (منتدى الأفلام السعودي)

وقدَّم عرض مصاحب لحفل إصدار النسخة الثانية من التقرير السنوي أحدث البيانات الشاملة عن قطاع الأفلام بالسعودية، وقدّم قراءة قائمة على البيانات لسلسلة القيمة الكاملة، من تطوير المواهب والبنية التحتية، مروراً بحوافز الإنتاج والأرشفة، وصولاً إلى المهرجانات وشُباك التذاكر.

وأبرزت بيانات التقرير قفزة نوعية في مؤشرات القطاع السينمائي السعودي خلال عام 2025؛ إذ سجلت إيرادات شُباك التذاكر نمواً بنسبة 9 في المائة لتتخطى 920 مليون ريال (ما يعادل نحو 245 مليون دولار)، جاءت منها أكثر من 120 مليون ريال بفضل 11 فيلماً سعودياً أُطلقت في دُور العرض.

وعلى صعيد الحراك الإنتاجي، نجح برنامج الحوافز منذ تدشينه في دعم 71 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً جرى تصويرها عبر أكثر من 5 مناطق سعودية، بالتوازي مع ارتفاع حجم الإنفاق الإنتاجي التقديري لشركات الإنتاج والقطاع الخاص إلى 1.3 مليار ريال، واتساع المساحة الإجمالية للاستوديوهات لتصل إلى نحو 118 ألف متر مربع.

إطلاق التقرير السنوي لصناعة الأفلام السعودية 2025 الذي يستعرض أبرز مؤشرات أداء القطاع (تصوير: تركي العقيلي)

وفي محور صقل المواهب والتنمية البشرية، أثمرت البرامج التدريبية التي قدمتها الهيئة عن تأهيل أكثر من 4700 متدرب ومتدربة، في حين عكَس الإقبال الجماهيري الاستثنائي نجاح الفعاليات المصاحبة، حيث قفز عدد زوار «منتدى الأفلام السعودي» إلى أعلى مستوى له منذ انطلاقته بأكثر من 85 ألف زائر، مقارنة بـ70 ألف زائر في عام 2024، في حين استقطب «مؤتمر النقد السينمائي الدولي» 10056 زائراً.

مجموعة «السدحان» في عهدة الأرشيف الوطني

بعد أربعة عقود قضاها في جمع مقتنيات أعماله الفنية والاحتفاظ بتفاصيلها، ينقل الفنان السعودي عبد الله السدحان مجموعته إلى الأرشيف الوطني للأفلام، بموجب اتفاقية أبرمتها هيئة الأفلام السعودية لإيداع هذه المواد وحفظها، في خطوة تتيح صون جانب من ذاكرة الدراما السعودية وما ارتبط بها من أدوات وملابس ونصوص وتفاصيل إنتاجية.

وقَّع الاتفاقية عبد الله السدحان وعبد الله العبد الله، المدير العام للأرشيف الوطني للأفلام.

وضمَّت المجموعة مواد أرشيفية متنوعة من مسيرة السدحان الفنية، شملت الصور والوثائق الإنتاجية والنصوص، إلى جانب الكاميرات وأدوات التصوير والملابس والإكسسوارات وقِطع الديكور ولوحات المشاهد المستخدمة خلال التصوير، وتحتفظ كذلك بمقتنيات ارتبطت بأعمال تلفزيونية بارزة، في مقدمتها «طاش ما طاش»، من بينها ملابس شخصيتيْ «رقية» و«أبو مساعد»، وحقائب وأبواب وقِطع ديكور أسهمت في تشكيل المشاهد التي عرفها الجمهور على الشاشة.

توقيع اتفاقية إيداع مجموعة الفنان السعودي عبد الله السدحان في الأرشيف الوطني للأفلام (تصوير: تركي العقيلي)

وكشف عبد الله السدحان، لـ«الشرق الأوسط»، حكاية جمع هذه المقتنيات: «تعلقت بالتفاصيل الصغيرة التي تُرافق صناعة العمل الفني، حيث وجدت صعوبة في الاستغناء عن القِطع التي استخدمتها أثناء التصوير بعد انتهاء العمل، وفضّلت الاحتفاظ بها عوضاً عن إعادتها إلى أصحابها أو التخلص منها، إذ بدأتُ بحقيبة حديدية خضراء ظهرت في إحدى السهرات التلفزيونية، وذلك قبل أن تتحول مع مرور السنوات إلى مجموعة واسعة مع تنوع الأعمال بين التلفزيون والسينما».

وتختزن هذه المجموعة، على مدى أربعة عقود، تفاصيل من تاريخ الدراما السعودية، بدايةً من أدوات التصوير والملابس، وصولاً إلى قِطع الديكور والإكسسوارات التي صنعت ملامح مشاهد بقيت في ذاكرة الجمهور، مع إيداعها في الأرشيف الوطني للأفلام، تنتقل هذه الشواهد من مجموعته الشخصية إلى أرشيف مؤسسي يحفظها للأجيال المقبلة.

وفي موازاة هذه الرحلة التوثيقية يتابع السدحان التحولات التي تشهدها السينما السعودية، مشيراً إلى أن «الصناعة تمر بمرحلة انتقالية تتطلب مواصلة العمل للوصول إلى المستوى الذي يطمح إليه صُناع الأفلام والجمهور، حيث إن الحراك الذي تشهده السينما يمثل خطوة في مسيرةٍ ما زالت مستمرة، مع الحاجة لتقديم أعمال ترتقي إلى تطلعات المتلقي، وتستطيع تمثيل الإنتاج السعودي بصورة مشرِّفة خارج المملكة».

الفنان عبد الله السدحان متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)

وتتصل هذه الطموحات، في رأيه، بمسؤولية صُناع الأفلام عن تطوير المحتوى وجودة الأعمال، في وقت تتسع فيه الصناعة وترتفع معه توقعات الجمهور، فالتحدي يتمثل في مواصلة تقديم أعمال قادرة على استقطاب المشاهد محلياً، وترك أثر لدى الجمهور خارج السعودية، وهو ما يتطلب جهداً متواصلاً من العاملين في المجال.

وأكد السدحان أن طريقة تلقّي الجمهور للأعمال الفنية شهدت تغيراً واضحاً مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، قائلاً إن «المشاهد أصبح، في أحيان كثيرة، ناقداً قبل أن يكون متلقياً، منشغلاً بتتبع الأخطاء والثغرات أكثر من الاستمتاع بالعمل نفسه»، موجهاً نصيحة إلى الجمهور بأن تكون مشاهدة الأفلام والمسلسلات فرصة للاستمتاع بالتجربة الفنية عوضاً عن البحث عن الهفوات.

وأوضح أن «الأخطاء قد تظهر في أي إنتاج، حتى في الأعمال الهوليوودية. والتركيز على العثرات قد يحجب جوانب أخرى من التجربة، ويحوّل المشاهدة إلى عملية ترصُّد مستمرة للتفاصيل التي يمكن انتقادها».

ومع ارتفاع سقف التوقعات واتساع سوق الإنتاج، يلفت السدحان إلى تغير الآليات التي تحكم صناعة الدراما التلفزيونية في السعودية، حيث أصبحت الأعمال تخضع لضوابط وميزانيات ومتطلبات أكثر تحديداً، مع ازدياد الحاجة لتقديم محتوى يمتلك قيمة فنية ويستجيب لمعايير الصناعة.

ويربط السدحان تراجع حجم الإنتاج الدرامي، مقارنة بمرحلة سابقة، بالحاجة إلى إسناد الأعمال إلى جهات تمتلك القدرة على تنفيذها وفق المعايير المطلوبة: «جودة الإنتاج تستدعي اختيار القائمين عليه بعناية، بدلاً من التوسع في تقديم المسلسلات دون ضمانات كافية لمستواها الفني».