دخلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في سباق لإبرام اتفاقات تجارية، في خضم تنافسهما على رسم ملامح النظام التجاري العالمي في المستقبل. من جهته، يبدو أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى دعم القواعد التجارية الراسخة، بينما تحاول الولايات المتحدة تعديل موازين التجارة الثنائية لصالحها. ولدى كل منهما دروس يمكن أن يتعلّمها الآخر: على الولايات المتحدة أن تتذكّر الاستقرار والتعاون والمكاسب المشتركة، التي أفادتها مع الآخرين، وعلى الاتحاد الأوروبي أن يعترف، كما تفعل الولايات المتحدة، بأن القواعد التقليدية للتجارة لم تعد تجدي عندما لا تلتزم الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بهذه القواعد.
خلال السنوات الخمس الماضية، وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقيات تجارة حرة جديدة مع نيوزيلندا وكينيا وأستراليا ودول أميركا الجنوبية في «مجموعة ميركوسور» وسنغافورة وإندونيسيا والهند. كما أجرى تحديثات على اتفاقيات سابقة مع تشيلي وأوكرانيا، وحديثاً المكسيك. معاً، ترسم هذه الاتفاقيات قواعد تمس نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
تهدف هذه الاتفاقيات إلى الحفاظ على النظام القائم على القواعد، الذي خدم القارة لعقود. وتتوافق الالتزامات بخفض الرسوم الجمركية على السلع، وفتح أسواق الخدمات، مع قاعدة المعاملة الأكثر تفضيلاً الخاصة بمنظمة التجارة العالمية، ما يعود بالنفع على جميع الشركاء التجاريين. وترسخ قوانين حماية العمال معايير العمل الدولية؛ وتستند الالتزامات المرتبطة بالحفاظ على البيئة إلى اتفاقية باريس وغيرها من الاتفاقيات المتعددة الأطراف. وتؤكد البنود الرقمية على الحرية الآمنة لتداول المعلومات بين الشركاء، من خلال حظر توطين البيانات، ومنع فرض رسوم جمركية على الإرسالات الإلكترونية، وحماية المستهلكين وخصوصيتهم. وتركيز صفقات المعادن الاستراتيجية على تقليل نقاط ضعف سلاسل التوريد، يضع مبدأ الوصول المتكافئ والأسعار غير التمييزية سبيلاً لحماية الشركات الأوروبية الراغبة في الاستثمار في التعدين والتكرير أو شراء مخرجاتهما.
وبطبية الحال، سعت أوروبا حثيثاً لتحقيق مصالحها. ودفعت بقوة نحو المناقصات العامة، مشددة على إتاحة الوصول المتكافئ أمام شركاتها بالعقود الحكومية والفيدرالية. وأضافت مئات المنتجات إلى قائمة ما يُعرف بـ«المؤشرات الجغرافية»، لضمان أن يُصنع نبيذ ريوخا، ولحم بارما، وجبن روكفور، وغيرها من المنتجات الشهية داخل أوروبا حتى تحمل اسمها في الدول الشريكة. وأضحى لرأس المال والاستثمارات الأوروبية محاكم استثمارية رسمية يمكن لشركاتها اللجوء إليها في حال نشوب نزاع.
وتتباين هذه الخطوط الأساسية مع تلك الواردة في «اتفاقيات التجارة المتبادلة»، التي وقعتها إدارة ترمب مع الأرجنتين وإندونيسيا وماليزيا وتايوان وخمس دول أخرى. وبطبيعتها، تتسم هذه القواعد الأميركية بالتمييز، إذ تتعامل مع الدول بشكل مختلف، بحسب التنازلات التي تقدمها. ولا تولي هذه الاتفاقيات اهتماماً يذكر للمناقصات العامة، أو آليات تسوية النزاعات، أو سبل تعزيز صادرات الشركات الصغيرة، أو تدابير مكافحة الفساد لتحسين بيئة الأعمال المحلية. وبما أنها تصدر بقرارات تنفيذية، تظل قابلة للتغيير لتتماشى مع أهداف الإدارة المتبدلة ومنطقها وحتى تقلباتها.
وتفتقر الاتفاقيات الأميركية الجديدة إلى مزايا الابتكارات الأوروبية داخل إطار نظام ترسّخه المعاهدات؛ فمحكمة استثمارية ملزمة باتفاقية تشكّل حلاً مبتكراً للعدالة المحلية المموّهة سياسياً. ويمكن لإتاحة الوصول الأفضل إلى عقود المناقصات العامة، أن تفتح أسواقاً جديدة تساوي مئات المليارات من الدولارات أمام الشركات الأميركية. وبعد سنوات من الجهد المضني (اسأل دول «ميركوسور»)، توفر هذه الاتفاقيات صلابة للشركات، والمستثمرين الراغبين في توسيع حضورهم ومبيعاتهم على الصعيد العالمي.
ومع ذلك، لا تسهم اتفاقيات أوروبا إلا قليلاً في حمايتها أو حماية شركائها من أكبر تهديد منفرد لقواعد التجارة العالمية: الصين. يذكر أن صافي صادرات الصين تجاوز تريليون دولار أميركي عام 2025، وارتفع بنسبة 15 في المائة أخرى في الربع الأول من عام 2026. الشهر الماضي، بلغ فائضها التجاري مع الاتحاد الأوروبي رقماً قياسياً جديداً. وتسيطر الشركات الصينية بشكل متزايد على صناعات التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك السيارات والاتصالات ومعدات البناء والبطاريات والطائرات المسيّرة والمواد الكيميائية المتخصصة، فضلاً عن صناعات المنسوجات والألعاب والأثاث التي تتطلب عمالة كثيفة.
ولا يقتصر هذا التوسع في نطاق الهيمنة الصينية على قطاع التصنيع على وفورات الحجم والنطاق فحسب؛ فقد اشتكت دول غربية منذ فترة طويلة من سرقة الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا القسري. ومع ذلك، تظل الحقيقة أن الهيمنة الصينية على الصادرات، تعتمد على أكثر من ذلك؛ إذ توفر الإعانات الواسعة النطاق إمكانية الوصول إلى الأراضي والأموال بأسعار زهيدة، علاوة على الإعفاءات الضريبية، والأسواق المحمية. ويُقدّر صندوق النقد الدولي أن الحكومة الصينية تُنفق 4.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على هذا الدعم، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف ما تُنفقه أوروبا على قطاع الأعمال لديها، وأضعاف ما تُنفقه الحكومة الأميركية.
وعلى عكس أوروبا، فإن اتفاقيات التجارة الأميركية الجديدة تُشكّل تحدياً للصين. يتفق شركاء الولايات المتحدة التجاريون في العموم على ضرورة تشديد قواعد المنشأ، لمنع إعادة شحن البضائع الصينية، ومن ثمّ منعها من تجاوز الرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة. كما يتولون فحص الاستثمارات القادمة من دول ثالثة (تحديداً الصين) في القطاعات الحيوية أو الحساسة، ويطبقون ضوابط التصدير الأميركية على المبيعات للأفراد أو الشركات المدرجة على القوائم السوداء الأميركية (معظمهم صينيون)، ويفرضون قوانين العمل القسري الأميركية في اقتصاداتهم (ضد شينغيانغ، من بين مناطق أخرى)، ويقيدون الواردات من دول ثالثة (مثل الصين)، لأسباب اقتصادية أو تتعلق بالأمن الوطني الأميركي، ويسمحون للولايات المتحدة باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد أي اتفاقيات تجارية جديدة مع أي «دولة ثالثة» تقوض المصالح الأميركية (وهذه الأخيرة تشمل الصين).
أما أوروبا، فتسعى لحماية مصنعيها بوسائل أخرى. على سبيل المثال، أطلقت حديثاً عدداً قياسياً من تحقيقات مكافحة الإغراق والدعم، وفرضت رسوماً جمركية على الكثير من الشركات وفي قطاعات عديدة. كما ابتكرت أدوات لمنع الشركات التي تتلقى دعماً أجنبياً من المنافسة على العقود العامة، وفرض رسوم جمركية على الدول الأخرى لممارساتها العدوانية، وفرض ضرائب على المنتجات التي أصبحت أرخص، بفضل معايير انبعاثات الكربون المتساهلة. ومع ذلك، فقد أثبتت هذه الإجراءات أنها بطيئة للغاية، ومحدودة النطاق، وغير متجانسة، أو مثيرة للانقسام لدرجة تفقدها فاعليتها.
اليوم، يدعو البعض إلى فرض تعريفة جمركية أوروبية، على غرار «المادة 301» لمواجهة الممارسات التجارية غير العادلة بشكل أسرع وأكثر شمولاً. ويقترح آخرون تحديد نسبة المنتجات، التي يمكن استيرادها من دولة واحدة، على نحو يجبر المشترين على تنويع مصادرهم، بعيداً عن عملاق التصنيع الصيني. بل إن البعض يقترح فرض تعريفات جمركية على البضائع الصينية، إلى حين تحسن وضع اليوان الصيني. وتشكل هذه خطوات أولية قد تسهم في معالجة الاختلالات التجارية المتزايدة.
بيد أنه عبر الامتناع عن معالجة سلوك الصين في اتفاقياتها التجارية، يُخفي الاتحاد الأوروبي سلاحه التجاري الأقوى. المؤكد أن وضع الشركات الأوروبية سيكون أفضل لو تعاونت مع شركائها التجاريين، الذين تعاني اقتصاداتهم هي الأخرى من آلة التصدير الصينية المدعومة. إن تطبيق الضمانات على نطاق أوسع بين الدول سيترك تأثيراً بالتأكيد. وبالتأكيد تزداد فاعلية القيود المفروضة على صادرات دولة إذا منعت كذلك من إعادة الشحن عبر دولة أخرى. ومن المرجح أن تستجيب بكين لمطالب رفع قيمة العملة الصينية، إذا شاركت أسواقٌ أوسع.
ومع تراجع الولايات المتحدة عن دفاعها المستميت عن النظام التجاري القائم على القواعد، يقع على عاتق أوروبا عبءٌ أكبر في مواجهة من يتلاعبون بهذه القواعد، وإقصائهم. وسيكون نجاحها أكبر بكثير إذا استطاعت حشد القوة الاقتصادية لمن هم على استعداد لإبداء الالتزام نفسه.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»
