يبدو المشهد الصحافي اليوم في سباق مختلف تماماً عما عرفته الأجيال السابقة من الصحافيين؛ فبعدما كانت المنافسة الحقيقية تدور حول مَن يسبق الآخر في نشر الخبر، صارت الرهانات اليوم أعمق وأخطر: أن يجد القارئ سبباً وجيهاً لزيارة موقع صحيفة بعينها أصلاً. فقد تكفلت أدوات الذكاء الاصطناعي، ومُلخصات محركات البحث، بمنح المستخدم إجابته الكاملة قبل أن يغادر صفحة النتائج، فيغلق المُتصفح مرتاحاً دون أن يطأ عتبة أي موقع إخباري.
هذا التحوُّل ليس رأياً عابراً ولا مجرد تخوُّف؛ بل هو واقع توثِّقه نتائج دراسات موثوقة؛ فقد وجد مركز «بيو» للبحوث -عبر تتبع آلاف من عمليات البحث- أن نسبة النقر على الروابط التقليدية تهبط إلى نحو 8 في المائة حين يظهر مُلخص ذكاء اصطناعي أعلى النتائج، مقابل 15 في المائة في غيابه. أما تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» الأخير، فقد كشف أن حركة الزيارات القادمة من بحث «غوغل» إلى المواقع الصحافية تراجعت عالمياً بمعدل 33 في المائة خلال عام واحد، وبلغ التراجع في الولايات المتحدة وحدها 38 في المائة.
ولم تسلم المؤسسات الكبرى من هذا التراجع؛ فصحيفة «نيويورك تايمز» تقول إن حصة البحث من إجمالي زوارها تقلصت من 44 في المائة عام 2022 إلى 37 في المائة بحلول العام الماضي، بينما اضطرت مؤسسة «بيزنس إنسايدر»، بعد تراجع حاد في حركتها البحثية، إلى تسريح نحو 20 في المائة من موظفيها.
الخطورة هنا لا تكمن في مجرد تبدُّل الأرقام؛ بل في انقلاب المعادلة الاقتصادية التي قام عليها الإعلام الرقمي منذ ولادته: مقايضة المحتوى بالزيارة، والزيارة بالإعلان أو الاشتراك. فحين تحصل الأدوات الذكية على المعرفة من رحم المحتوى الصحافي ثم تقدِّمها للجمهور مجاناً ودون إحالة، يتحول العمل الصحافي إلى مادة خام تُستهلك قيمتها في الخفاء، بينما تجفُّ مصادر تمويله في العلن.
وقد بلغت هذه الظاهرة من الاتساع أن ما يقارب 7 من كل 10 عمليات بحث باتت تنتهي دون أي نقرة على الإطلاق، وفق تقديرات متعددة لشركات تحليل حركة «الويب».
بَيد أن الاستسلام لهذا الواقع ليس قدراً محتوماً، فثمة مسارات عملية آخذة في التبلور لدى المؤسسات الأكثر يقظة.
أولها الاستثمار فيما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي اختزاله بسهولة، أي: التحليل العميق، والرأي المُسند، والتحقيقات الأصيلة التي تحمل بصمة كاتبها وسلطته المعرفية، بدل الاكتفاء بسرد وقائع قابلة للتلخيص الآلي.
وثانيها بناء علاقة مباشرة مع الجمهور، عبر النشرات البريدية والتطبيقات والعضويات، بما يقلل الاتكال على محركات البحث كبوابة وحيدة للوصول.
وثالثها تنويع الأشكال نحو الفيديو و«البودكاست» والمحتوى التفاعلي، الذي يستدعي بطبيعته زيارة فعلية لا مجرد قراءة عابرة لمُلخص.
ورابعها الدفع نحو أطر تنظيمية وتعاقدية، تُلزم شركات الذكاء الاصطناعي بترخيص المحتوى أو مشاركة العائد، على غرار ما بدأت تطالب به تحالفات ناشرين أوروبية وأميركية أمام الجهات التنظيمية.
وخامسها -وربما أهمها- ترسيخ الثقة والهوية التحريرية كقيمة تجارية بحد ذاتها، بحيث يصبح اسم المؤسسة سبباً كافياً للزيارة؛ لا وسيلة مرور عابرة نحو إجابة جاهزة.
إن ما يجري في هذا الإطار ليس مجرد أزمة تقنية عابرة؛ بل هو اختبار وجودي لمعنى الصحافة ذاتها، في عصر تُختزل فيه المعرفة في إجابة فورية بلا مصدر ولا سياق ولا مساءلة. وحين يغيب المصدر، يغيب معه الضامن الأول لصدقية المعلومة ودقتها. فالتوازن المنشود لا يكمن في مقاومة الذكاء الاصطناعي ولا في مجاراته بلا تبصُّر؛ بل في صون مساحة مستقلة للمعرفة الأصيلة، تمنح الجمهور سبباً يستحق الزيارة، وتمنح الصحافة فرصة البقاء حارسةً أولى للحقيقة، لا هامشاً ثانوياً في هوامش الخوارزميات.
والشاهد أن صناعة الصحافة اليوم تواجه واحدة من أخطر المفارقات في تاريخ الإعلام الحديث. فالذكاء الاصطناعي الذي يبدو وكأنه يفتح أبواب المعرفة على مصاريعها، قد يكون في الوقت نفسه أكثر من يُضعف المؤسسات الصحافية التي تُنتج تلك المعرفة من الأساس.
والأخطر من ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بمنافسة الصحافة على الجمهور؛ بل ينافسها باستعمال المادة التي أنتجتها هي. فهو يعيش على نظام معرفي لم يُسهم في تمويله بالقدر الكافي. إنه يستهلك أكثر مما ينتج، ويستفيد أكثر مما يستثمر. وهذه معادلة قد تبدو مربحة في المدى القصير؛ لكنها تحمل في داخلها بذور أزمة عميقة. فلا يمكن لأي منظومة أن تستمر في استنزاف مصدر غذائها دون أن يضعف ذلك المصدر أو يضمر.
ولهذا، فإن القضية ليست دفاعاً رومانسياً عن الصحافة، ولا هجوماً على تغوُّل الذكاء الاصطناعي، بقدر ما هي دفاع عن استدامة النظام المعرفي كله.
