د. عبد المنعم سعيد
عضو مجلس الشيوخ المصري حالياً، ورئيس مجلس إدارة «مؤسسة المصري اليوم» الصحافية في القاهرة، ورئيس اللجنة الاستشارية لـ«المجلس المصري للدراسات الاستراتيجية»، وسابقاً كان رئيساً لمجلس إدارة «مؤسسة الأهرام» الصحافية، و«مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية»، و«المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية»، وعضو مجلس الشورى المصري. كاتب في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ عام 2004، و«الأهرام» و«المصري اليوم»... وعدد من الصحف العربية. أكاديمي في الجامعات والمعاهد المصرية، وزميل زائر في جامعة «برانديز» الأميركية، ومؤلف للعديد من الكتب.
TT

في صحبة الأمين العام

استمع إلى المقالة

كنت محظوظاً بمعرفة ثلاثة أمناء لجامعة الدول العربية جمع بينهم العمل وزراء خارجية لجمهورية مصر العربية؛ ولعلهم بهذه الصفة أصبحوا أمناء للجامعة؛ أولهم كان عمرو موسى الذي خدم لعشر سنوات وزيراً للخارجية ثم عشر سنوات أخرى أميناً عاماً، وثانيهم أحمد أبو الغيط الذي بدوره كان وزيراً للخارجية لعشر سنوات ثم لعشرٍ مثلها أميناً عاماً، وثالثهم بعد تاريخ طويل من العمل الدبلوماسي من الملحق إلى السفير وصل نبيل فهمي إلى وزارة الخارجية وزيراً لفترة ستة أشهر دخل بعدها إلى العمل الأكاديمي ثم جرى اختياره أميناً عاماً.

ثلاثتهم حمل ميراث نحو 200 عام من العمل الدبلوماسي المصري، كان لوزارة الخارجية المصرية منها 100 عام أو أكثر، حيث الخبرة والتجربة تنتقلان قطرةً قطرةً إلى العاملين فيها؛ ومَن حرص منهم فإنه سوف يكون يوماً أميناً عاماً لجامعة الدول العربية.

لحسن حظي عرفت الثلاثة، وبقدر ما سعدت معهم بالأخبار والتحليلات والمواقف المصرية والعربية والدولية؛ فإنني أشفقت عليهم عندما باتوا داخل الجامعة يواجهون ما تواجهه من تحديات.

نجح الثلاثة في الحفاظ على الجامعة لكي تستمر ممثلةً للعرب في المحافل الدولية؛ والأهم المرور في معاناة الخلافات والانقسامات العربية التي لحُسن الحظ كانت في معظمها سياسية؛ وما هو أكثر من ذلك تحديات قاسية، ولكن ما عدا ذلك فقد كان للجامعة من النجاح نصيب وحظ.

الأول: السفير عمرو موسى، جاء إلى المسار ما بين الوزارة المصرية والأمانة العربية بعد واحد من الانقسامات الكبرى التي فصلت مصر عن العالم العربي بعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل؛ ثم عودتها على أعتاب حرب الخليج وتحرير الكويت، وما أعقبه من انعقاد مؤتمر مدريد، محمَّلاً بالفرص التي قادت إلى معاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية، ثم اتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. ولم يكن ذلك وحده الذي يشغل مَن تولى منصب وزير الخارجية أو فيما بعد الأمين العام، فقد كان العالم يتغير من حالة الحرب الباردة إلى ما باتت معروفةً بـ«العولمة» وسيطرة القطب الأميركي الواحد.

الثاني: السفير أحمد أبو الغيط، أتي من المسار ذاته، ولكن الزمن، كما هو الحال دائماً، كان قد دخل إلى مرحلة الفشل الأميركي في حربَي أفغانستان والعراق والتنويه بأن الولايات المتحدة تريد الخروج من الشرق الأوسط.

وفي المرحلة الزمنية نفسها كان «الربيع العربي» قد قام بخلخلة قاسية للعالم العربي لم تقم فقط بإسقاط النظم السياسية، وإنما أكثر من ذلك دخل على مرحلة استُغلت فيها الخلخلة من دول الجوار الجغرافي: إيران دخلت أربع عواصم عربية على حد قولها، وباتت تركيا تدخل وتخرج من شمال العراق وسوريا لأسباب شتى، وإسرائيل شمَّرت عن ساعديها بنوبات متتالية من الاستيطان وحروب غزة وبيروت؛ وفي إثيوبيا وبعد نشوب «الربيع» شرعت إثيوبيا في بناء سد النهضة... العالم بدوره كان يتغير بذبول «العولمة»، وإذا كان الأول، عمرو موسى، عاش مولد الثورة التكنولوجية الثالثة، فإن أبو الغيط شهد التبشير بالثورة الرابعة.

الآن أصبحنا على أبواب الثالث من الأمناء؛ السفير نبيل فهمي، وهو الأقرب إلى جيلنا عمراً وتجربة عقود من الاضطراب، ووسط واحدة من كبرى الأزمات التي واجهتها المنطقة العربية بحيث تجمع بين الدول التي تعاني فشل ما بعد «الربيع» والغزوات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية التي نعيشها حالياً. الرجل أتى إلى الوزارة بينما القاهرة تغلي بعد الثورة الثانية -30 يونيو (حزيران) 2013- ورغم تنوع نشاطاته ما بين الأمم المتحدة والجامعة الأميركية، فإنه كان دائماً في قلب السياسة والدبلوماسية مضافاً إليها كثير من العلوم السياسية.

قائمة الأعمال طويلة ومضنية؛ ومن أجل ذلك نشرت د. سماء سليمان، وكيلة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ المصري في الفصل التشريعي الأول منه، مقالاً في صحيفة «الشروق» المصرية في 25 يونيو الماضي تدعو فيها الأمين العام الجديد إلى «حوار فكري عاجل» يجيب عن أسئلة جوهرية ستحدد مستقبل الجامعة العربية. لحسن الحظ أن الأمين العام نشر مقالاً مهماً في مطبوعة «تقرير المستقبل» التي تصدر عن «مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة»، تحت عنوان «توازن أم عدم استقرار؟ قراءة لاتجاهات النظام الدولي بعد القمتين الأميركية والروسية مع الصين»، وضع فيها الاختيارات المطروحة أمام النظام الدولي، ولعلها تصلح أيضاً في القيام على النظام العربي في مرحلة جديدة من مراحل تطوره. المرحلة لا تقل حرجاً ولا يقل ثقلها على أكتاف الأمين العام.