في البدء كان الصراع، كما كتب خلدون النقيب، فالإنسان بغرائزه والمجتمعات بعلاقاتها والدول بمصالحها، وقد جرت في ساقيةِ كلٍّ من الثلاثة مياهٌ متعددةٌ وكان لها مشارب مختلفة ومصادر شتى، وتطورت مع هذا التطور العلوم البشرية التي بحثت في علم الإنسان وفي علم الاجتماع وعلوم السياسة.
كان وصول المطبعة مع «نابليون» إلى مصر مرحلةً مهمةً في تاريخ الثقافة العربية في عام 1798 لأهدافٍ تخدم حملته وأغراضه، ولكنها شكلت فتحاً جديداً في الثقافة العربية، ونقلتها من مرحلةٍ تاريخيةٍ قديمةٍ إلى مرحلةٍ جديدةٍ كلياً، سمحت بنشر العلوم والمعارف بأشكالها وأنواعها وإيصالها للكثيرين بما لا يقارن بما كان من قبل في تاريخ العرب؛ ما سمح بنشر التعليم والثقافة والتعمّق فيهما لدى النخب.
كان من الطبيعي أن تثور صراعات حول الطباعة وقوتها على نشر المعارف والعلوم وخدمة الدول والمجتمعات؛ ما جعل جميع الدول بعد مصر في الدول العربية تهتم بها اهتماماً كبيراً. كان الملك عبد العزيز رحمه الله مهتماً بالطباعة والنشر لأن خصومه من الترك وولاتهم ومن الإنجليز وأتباعهم في المنطقة استخدموها ضده وضد دولته الفتية وشعبه الناهض حينذاك.
وضمن اهتماماته بتعليم شعبه ورفعته وترقِّيه اتجه اهتمامه للطباعة لأنها تسهل نشر العلم والتعليم وترفع من مستوى الشعب إلى مستوياتٍ أرقى في الحضارة، فدعم كثيراً من المطابع ودور النشر وذلك لدعم كل ما يقتنع به دينياً وثقافياً وسياسياً وعربياً وإسلامياً، وكانت له الأيادي البيضاء التي لا تُنسى في هذا المجال، ويمكن استحضار بعضها مع رشيد رضا ومحب الدين الخطيب وكتبٍ فقهيةٍ وتاريخيةٍ ومجلاتٍ وصحفٍ في كل مكانٍ تقريباً، وهو ما أثار حماساً مقابلاً لدى عددٍ من الدول الكبرى والصغرى في المنطقة وقتها، وكان لليمن نصيبٌ من محاولات مناكفته في مجال الطباعة والمطابع.
كلما تطوّر الإنسان تطوّرت صراعاته، فرديةً كانت أم جماعيةً، بين المجتمعات وبين الأمم كما بين الممالك والدول، ولئن كانت «الطباعة» مرحلةً مهمةً جداً في تاريخ آليات الصراع وطرائق الجدل وسبل المناظرة فإنها بعد انتشارها الواسع لدى الجميع لم تعد آليةً مميزةً للصراع والجدال والبرهنة، بل وسيلةً لنشر ذلك كله، ومع تطوّر الصراعات وأزليتها وخلودها فقد تطوّر العمل الجماعي في الصراعات حتى وصل إلى «مراكز الدراسات» المتخصصة والمتكاملة والعميقة والفاعلة.
وبهذا فلم يعد الصراع على «آليات» الصراع مهما تطوّرت وانتشرت وتغيرت واختلفت، وقد خرج بعد المطبعة، وكان التطوّر سريعاً جداً وعظيم التأثير وبالغ الأثر من المطبعة إلى الإذاعة ثم من التلفاز إلى الفضائيات، ومن بعد كانت ثورة الإنترنت وصراعات «منتديات الدردشة» ومن ثم «مواقع التواصل الاجتماعي»، واليوم يعيش العالم ثورة «الذكاء الاصطناعي» بكل تطبيقاته ومعانيه.
هل ينبغي أن نخاف من الذكاء الاصطناعي؟ وهل يجب أن نلغيه؟ والجواب مختلفٌ بين السؤالين، فالخوف منه لا يغير شيئاً، ولكن القلق منه يجب أن يثير أسئلة عمليةً في صناعة أمانٍ للبشرية بشكلٍ أو بآخر، وأما فكرة إلغائه فهي فكرةٌ سخيفةٌ لن يستمع لها أحدٌ في ظل الصراعات البشرية المتصاعدة.
عمر الإنسان والبشرية في التاريخ الطبيعي للكون لا يكاد يشكل شيئاً مذكوراً، ومع ذلك فإن الإنسان شديد التكبّر ويعتقد أنه أهم شيء في الكون بأسره، ومن هنا فإن «الذكاء الاصطناعي» لا يثير لديه أي مخاوف.
كتب هنري كيسنجر أنه مع الذكاء الاصطناعي «تصبح الحقيقة نسبيةً، وتوشك المعلومات أن تطغى على الحكمة». ومع كل هذه التطورات الكبيرة التي تطغى فيها كل واحدةٍ على سابقتها، فإن العامل الأكبر في استخدامها وتوظيفها كان «عقل» الإنسان.
الصراعات اليوم هي على «مراكز الأبحاث والدراسات» و«مراكز التفكير» لتشكل حاضنةً طبيعيةً لكل المواهب وداعمةً رئيسية للتوجهات السياسية والثقافية والاجتماعية التي تدعمها الدولة، ومراكز الدراسات في الدول العربية معروفةٌ، وهي قد اتجهت للتوسع في بعض الدول الخليجية كما في قطر والإمارات والسعودية، ولكن وجود هذه المراكز بالغة الأهمية والتأثير لم يكن على مستوى يتوازن مع المطلوب، ويشكل مرشداً حقيقياً لكل التطورات المذهلة في القرنين الأخيرين من تاريخ البشرية.
أخيراً، فمن «المطبعة» إلى «الذكاء الاصطناعي» كان المحرك الأكبر والمؤثر الأعظم هو «العقل» البشري، وهو ما تصنعه «مراكز الأبحاث والدراسات».
