د. محمد النغيمش
كاتب كويتي مختص في علوم الإدارة. خبرة طويلة في قطاع الاستثمار. وعضو مجالس إدارة عشرات الشركات في قطاعات عدة منها الاستثمار والعقار والصناعة والتعليم والتأمين، كثير منها مدرجة بالبورصة. عمل مستشارا لوزراء وشركات. أمضى نحو ثلاثة عقود في الكتابة منها في صحيفة «القبس» و«النهار»اللبنانية و«مجلة الرجل»، ويكتب لـ«الشرق الأوسط»اللندنية منذ 2009. حاصل على الدكتوراه في القيادة من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة. ألف عدداً من الكتب آخرها «عقلية الإسفنجة».
TT

فضل «بسمارك» على المتقاعدين

استمع إلى المقالة

يعترف الأميركيون في موقع التأمينات الاجتماعية الرسمي بأنهم قد تعلموا نظام التقاعد من المستشار الألماني أوتو فون بسمارك، الذي يُروى أنه جاء بأول نظام من نوعه عام 1889عندما كان معظم سكان المعمورة يعملون في مهن بدائية قبل أن تتمدد رقعة المؤسسات العصرية.

قامت فكرته على أن يتقاضى الموظف راتباً تقاعدياً يمتد إلى يوم وفاته، كي لا يلتهمه شبح التضخم، وذلك عبر نظام تأمين شامل يُغطي العجز ومزايا صحية. وأوجد طريقة لتمويله من استقطاعات إلزامية من رواتب الموظفين وأصحاب العمل... كانت فكرة يصعب تصديقها -آنذاك- لكن الألماني، على ما يبدو، قد استعان بالخبراء الاكتواريين والإحصائيين فجاء بحسبة رياضية تمكِّن صناديق التقاعد من دفع رواتب مستدامة.

في الواقع يصعب أن تجد بلداناً متساوية في نظام تقاعدها الاجتماعي. ولذلك ظهر مؤشر المعاشات التقاعدية العالمي «ميرسر CFA»، الذي يقارن 43 منظومة للمعاشات المُستحقّة للمتقاعدين، وكشف عن أن آيسلندا وهولندا والدنمارك تتربع على قائمة البلدان التي تنعم بأفضل أنظمة للتقاعد، إذ نالت كل منها تصنيف «A»، في عام 2022. وأفضل نظام ليس بالضرورة ما يمنحك راتباً تقاعدياً عالياً، بل تلك الأنظمة التي تتمتع بالاستدامة بصرف النظر عن الضغوط الديمغرافية والاقتصادية، وتتحلى كذلك بالنزاهة، والشفافية، ووجود مزيج من الأنظمة الحكومية والخاصة التي تقدم دعماً متوازناً للمتقاعدين. وهذا يتطلب إدارة حصيفة للأموال.

وقد ذكر أحد استطلاعات الرأي استعداد نصف الألمان (54 في المائة) للعمل بعد سن التقاعد القانونية، بدوام جزئي حتى سن السبعين. وأكد نحو خُمس المشاركين (20 في المائة)، أنهم لن يستمروا في عناء العمل، إذا ما استطاعوا تأمين دخل مالي أعلى. هذا شأن رواد التقاعد (الألمان) فما بالنا بمجتمعاتنا.

ولذلك فالأمر يحتم جدية التفكير بمبادرات أخرى من القطاع الخاص أو الجهات العامة، لتردف جهود التأمينات. في الكويت، تجربة رائدة أُقر فيها استقطاع تقاعدي إضافي لموظفي القطاع النفطي، وأصبح إلزامياً لاحقاً، مما أتاح معاشات مرتفعة تلامس سقف 3400 دينار شهرياً (وهو ضعف متوسط رواتب المتقاعدين). هذه الفكرة يمكن تطبيقها في أي مؤسسة لتضيف راتباً آخر على راتب التقاعد، ويمكن ذلك عبر شركات التأمين أو الاستثمار أو حتى سن قوانين جديدة للجهات الحكومية.

ولحماية الأسرة، نصَّت أنظمة كثيرة على وجوب استقطاعات تقاعدية إلزامية حتى لا يستهين الإنسان في ريعان شبابه بعواقب إهمال الادخار للمستقبل، ثم يترك من يعولهم عرضة للحاجة بعد رحيله.

التقاعد ليس راتباً فحسب، بل طمأنينة يستحقها من أفنى حياته في خدمة الناس.



عاجل مونديال 2026: فرنسا إلى دور الـ32 بثنائية جديدة لمبابي في مرمى العراق