إنعام كجه جي
صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس.
TT

قلادة لميعة

استمع إلى المقالة

في أوائل 2019، وصلني مغلف ثقيل من الولايات المتحدة وعليه طوابع كثيرة. المرسل هو الكابتن الطيار زكي مبارك، الابن الأكبر للشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة. في المغلف قلادة فضية قديمة، ورسالة تقول إنها هدية من والدته. تأثرتُ وأربكتني القلادة الثمينة. تخيلتها على صدرها وترددتُ في التزيّن بها. هذه مقتنيات مُضمخّة بأنفاس أصحابها. مكانها المتاحف، أو بيوت الأدباء التي تُفتح بأسمائهم.

تمرّ هذا الشهر خمس سنوات على غياب لميعة. فارقتنا في مهجرها بمدينة ساندييغو الأميركية. أغمضت عينيها في البلد الغريب مثل المئات من طيورنا المبدعة المهاجرة. إغماضة أخيرة والعراق بين الجفون. بلد مهموم بمشكلاته. مشغول بالتشكيلة الوزارية والمال المنهوب وأناشيد المونديال. لا وقت لاستذكار شاعرة.

ذهبت وتركت لنا قصائدها وتسجيلاتها ورنّة ضحكتها. أجمل أجراس التبغدد والغواية. عرفتها مدرّسة للغة العربية في تلك المدرسة التي تحرس ساحة التحرير. تدخل الصف تُحيّي الطالبات وتأمرنا أن نجلس معتدلات. درسها الجماليّ يسبق الدرس المقرر. النحو والإعراب. «أريد ظهوركن مستقيمة. لا جمال في الأكتاف المتهدلة». تنتهي الدراسة وتستمر المودّة بيننا. صداقة تتجاوز حاجز الأستاذة وتلميذتها.

هاجرت الشاعرة إلى القارة البعيدة. كتبت في واحدة من قصائدها: «وكيف أعيش رغداً في بلاد تُسنّ لشعبي فيها السيوفُ». قالت إنها لاجئة صحية. واستمرت الرسائل بيننا وبعض اللقاءات. تسافر لقراءات شعرية في الدوحة أو دبي. تتوقف في باريس ونستأنف حواراً وأخباراُ ونميمة بريئة. تباعدتْ، في سنتها الأخيرة، المهاتفات بيننا. أصاب سمعها الوهن وسمعي قريب الصفر. أرسلت لي مغلفات متلاحقة جمعت فيها أوراقها وصورها ومسودات كتاباتها. تغيب فترة ثم تفاجئني باتصال في وقت متأخر من الليل، حسب فارق التوقيت. تسمعني قصيدة عن جارها الأميركي الذي يزرع النخيل في كاليفورنيا، أو عن حبيب مجبول من طين منقوع بماء الورد.

كلّمتني ذات يوم وهي غاضبة. وغضب لميعة زلزال صغير يقذف حمماً من عبارات ساخرة. قالت إن اتحاد الأدباء ينوي تخصيص مرتب لها. ولم يكن المتصل الذي أبلغها بالأمر يعرفها. سألها هل هي شاعرة؟ «مسكين هذا الولد. لا يعرف أنني كنت في الهيئة الإدارية لأول اتحاد للأدباء في العراق، يوم كان رئيسه الجواهري». تطلب أن أنشر الواقعة وأعلن رفضها للمرتب. لا تريد إعانة وتفضّلاً بل تمشية مرتبها التقاعدي المستحق عن السنوات التي أمضتها في التدريس.

في آخر رسالة وصلتني منها، بخط مهزوز بفعل بواهظ الشيخوخة، رجتني ألا أسجنها في كتاب. أن يكون تكريم ذكراها بنشر قصائدها. وها أنا أطيع الوصية:

«أقول سأهجرُ كلّ العراق/ ولستُ بأول صبّ هَجَرْ/ فيهتف بي هاجسٌ لا يُردّ/ مكانكِ! إن ّ المنايا عِبَرْ/ هنا تُقتلينَ هنا تُدفنين وأمّا السُرى فمنايا أخَرْ/ وتعصفُ بغداد في جانحيّ أعاصيرَ من وَلَهٍ لا تَّذَرْ/ بخورٌ لها أدمعي/ ما أقلّ عطاء الفقيرِ إذا ما نَذَرْ».