حذر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، منذ أيام من «تآكل خطير» في احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مؤكداً أن غياب الالتزام بالقانون الدولي يدفع العالم نحو الفوضى وتصاعد النزاعات. وهذه ليست المرة الأولى التي يتبنى فيها هذا التحذير، لأن الأحداث الدولية المتتالية تجعل من النظام العالمي نظاماً قائماً أكثر من أي وقت مضى على حكم القوة بدل حكم القانون، مما يؤدي إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان واتساع رقعة النزاعات عالمياً (مثل أزمة أوكرانيا والسودان والشرق الأوسط) وهلمَّ جرّا.
ويمكننا بعد مرور ثمانية عقود على تأسيس المنظمة الأممية من رسم خط مباشر يربط بين إنشاء المنظمة الأممية والحيلولة دون اندلاع حرب عالمية ثالثة، ولكن ما يجري اليوم في جدار المنظومة القانونية الدولية من تآكل وشرخ، يمنع مجلس الأمن من التحرك بوحدة وحسم، ويجعل مقاصد الأمم المتحدة تتعرض لضغط كبير ويعمِّق الانقسامات الجيو-سياسية، وينمِّي المخاطر الدولية بما في ذلك سباق التسلح المتسارع بين الدول، وتنامي الرُّخَص التي تُعطَى لشركات صناعية في المجال العسكري. ولعل أكبر مثال على ذلك هي الولايات المتحدة الأميركية التي تعرَّضت بسبب حرب إيران الأخيرة لضغوط كبيرة فيما يتعلق بمخزون الأسلحة والذخائر لدى جيشها... فالحروب الحديثة تستهلك كميات هائلة من الصواريخ الدقيقة وأنظمة الدفاع الجوي والذخائر المتطورة بوتيرة أسرع من قدرة المصانع العسكرية على التعويض السريع؛ وهو ما يجعل دولاً مثل أميركا وروسيا وأوروبا تحاول معالجة التحديات المرتبطة بسلاسل التوريد والطاقة الإنتاجية، برفع وتيرة التصنيع وخلق شراكات جديدة...
ثم إن الهياكل العالمية المعنية بحل المشكلات، وبالأخص مجلس الأمن الدولي، لا تتسم بالفاعلية المرجوَّة في ظل بيئة أمنية دولية متسمة بالغموض والتوجس واللايقين والمجهول.
وتتجلى أزمة الشرعية في الأمم المتحدة أساساً في كون تركيبة المجلس لا تزال قائمة على معادلات تاريخية تعود إلى عام 1945، حيث تحتكر خمس دول فقط العضوية الدائمة وحق النقض، في حين تبقى مناطق واسعة من العالم، خصوصاً أفريقيا وأميركا اللاتينية وجنوب آسيا، شبه غائبة عن التمثيل الدائم داخل هذه المنظمة الدولية. ولا غرو أن هذا الوضع محل انتقادات لا متناهية من عدد كبير من الدول التي ترى أن المجلس لم يعد يعبِّر بصورة عادلة عن التوازنات الدولية الراهنة، ولا عن تطلعات شعوب الجنوب العالمي.
وليس في وسع الأمين الأممي الحالي ولا أيٍّ من الأمناء العامِّين السابقين للأمم المتحدة، إحداث إصلاح حقيقي داخل مجلس الأمن أو ترسيخ أدوار جديدة وآليات لاتخاذ القرار يمكن أن تُفضي مستقبلاً إلى دمقرطة العمل الأممي. فجميعهم يدركون طبيعة مهامهم وحدودها، كما يدركون الخطوط الحمراء التي رسمتها القوى الكبرى لعمل الأمين العام وللمنظمة ككل. لذلك يظل الإصلاح مسألة معقدة وشديدة الصعوبة، خصوصاً أن الأزمات الكبرى والأحداث الدرامية التي يشهدها العالم غالباً ما تُعالَج عبر تفاهمات القوى العظمى خارج إطار الأمم المتحدة، وليس داخله، وتلك هي الحقيقة المرة.
ثم إن أي محاولة جادة لإصلاح ميثاق الأمم المتحدة تصطدم بعقبة قانونية أساسية تتمثل في المادة 108 من الميثاق، التي تنص على أن «التعديلات التي تُدخَل على هذا الميثاق تسري على جميع أعضاء الأمم المتحدة إذا صدرت بموافقة ثلثي أعضاء الجمعية العامة، وصدَّق عليها ثلثا أعضاء الأمم المتحدة، بما في ذلك جميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن».
زِدْ على ذلك أن النظام العالمي لا يزال يعاني من عجز واضح في تعبئة وتوسيع نطاق التمويل الضروري لإنقاذ حياة ملايين البشر عبر العالم، وبناء مجتمعات مسالمة وأكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات والتحديات المتزايدة. ورغم إطلاق عدد من المبادرات المهمة لتحقيق هذه الأهداف، من قبيل ميثاق المستقبل، ومبادرة الأمم المتحدة 80، والتزام إشبيلية بشأن تمويل التنمية، فإن النتائج المحقَّقة لا تزال دون مستوى التطلعات، في ظل استمرار الفجوات التنموية وتفاقم الأزمات الإنسانية والاقتصادية على الصعيد الدولي.
وفي ظل هذا الواقع الدولي المر، يبدو العالم اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة الاعتبار لروح ميثاق الأمم المتحدة، ليس بوصفه نصاً قانونياً جامداً، بل بصفته إطاراً أخلاقياً وسياسياً لتنظيم العلاقات الدولية. فاستمرار منطق الهيمنة وازدواجية المعايير، وتعطيل آليات الشرعية الدولية، لن يؤدي إلا إلى ما نشهده اليوم من فوضى غير خلَّاقة وأزمات متفاقمة وثقة متآكلة في النظام الدولي؛ كما أن إصلاح المنظمة الأممية لم يعد ترفاً سياسياً أو مطلباً نظرياً، بل أصبح ضرورة تاريخية لضمان أمن البشرية واستقرارها، وترسيخ نظام دولي أكثر توازناً وأكثر عدلاً.
