ليس أخطر أزمات الأنظمة المستبدة أنها تقمع الداخل فحسب؛ بل إنها تحتاج دائماً إلى صراع خارجي يبرر هذا القمع، ويوحّد الجمهور خلف السلطة، ويمنح الإخفاقات الاقتصادية والسياسية غطاءً عاطفياً تحت شعارات الأمن القومي والكرامة والسيادة، وفي كثير من الأحيان، لا تتحول الحرب إلى خيار اضطراري؛ بل إلى أداة حكم، وآلية لإعادة إنتاج الشرعية كلما اهتزت أسسها الداخلية، ومن هنا تبدأ المشكلة الكبرى: حين يتحول فائض القوة إلى وهم سياسي، ويتحوّل الغرور إلى طريقة في إدارة الدولة. فعند تلك اللحظة، لا يعود الخطأ مجرد سوء تقدير عابر؛ بل يصبح عقيدة حكم تدفع الدول تدريجياً نحو الاستنزاف والإنهاك، وربما الانهيار.
الحرب العراقية - الإيرانية كانت المثال الأكثر قسوة في تاريخ المنطقة الحديث، ثماني سنوات من النزيف المتبادل بين عامي 1980 و1988، جرى خلالها شحن الشارعين العراقي والإيراني بخطابات قومية ومذهبية وتاريخية صورت الصراع بوصفه معركة وجود، لكن النتيجة النهائية لم تكن نصراً حاسماً لأي طرف؛ بل كانت مئات الآلاف من القتلى والجرحى، واقتصادين منهكين، وفرصاً تنموية ضائعة، ودولتين خرجتا من الحرب أكثر هشاشة وأقل قدرة على بناء الاستقرار.
غير أن المأساة العراقية لم تتوقف عند تلك الحرب؛ ففي الثاني من أغسطس (آب) 1990، اندفع النظام العراقي إلى غزو الكويت، في لحظة اختلط فيها غرور القوة بسوء تقدير النظام الدولي، وظنّ صدام حسين أن المجتمع الدولي سيكتفي بالإدانة، وأن القوة العسكرية قادرة على فرض الأمر الواقع، لكن ما عُدّ آنذاك استعراضاً للقوة فتح على العراق أبواب كارثة تاريخية: حرب الخليج، ثم الحصار الطويل، ثم التآكل الداخلي للدولة، وصولاً إلى الغزو الأميركي عام 2003 وسقوط بغداد وانهيار النظام لاحقاً، ولم تكن الكارثة في الهزيمة العسكرية وحدها؛ بل في الثمن الذي دفعه المجتمع والدولة معاً، فقد خسر العراق جزءاً كبيراً من بناه الاقتصادية والخدمية، وتعرض نسيجه الاجتماعي لتصدعات عميقة، بينما دفعت الأجيال العراقية تكلفة الحروب من أمنها ومعيشتها وصحتها ومستقبلها.
وهنا يظهر أحد أكثر دروس المنطقة قسوة: الدول لا تسقط دائماً بفعل مؤامرة خارجية، بل كثيراً ما تبدأ بالسقوط حين تفقد نخبها الحاكمة القدرة على التمييز بين الشجاعة والتهور، وبين السيادة والعناد، وبين القوة والاستعراض، ومن هذه الزاوية تحديداً، يبرز المشهد الإيراني الراهن، فإيران، التي بنت خلال العقود الماضية شبكة واسعة من النفوذ والأذرع المسلحة خارج حدودها، بدت لسنوات كأنها تحقق تمدداً استراتيجياً منخفض التكلفة مقارنة بالحروب التقليدية، غير أن هذا النموذج نفسه حمل في داخله عناصر استنزافه؛ لأنه وسّع ساحات الاشتباك، وربط الاقتصاد الوطني بحالة توتر دائمة، وحوّل موارد الدولة تدريجياً من التنمية والاستثمار إلى الأمن والتسلح وإدارة الصراعات المفتوحة.
ومع تصاعد التوتر الأميركي - الإيراني، وما يرافقه من ضربات وضغوط اقتصادية وأمنية، تبدو المنطقة كأنها تستعيد بعض ملامح المراحل التي سبقت الانفجارات الكبرى في تاريخها الحديث، فالحرب الحديثة لم تعد مجرد مواجهة بين جيوش؛ بل اختبار شامل لقدرة الدولة على الصمود: اقتصادها، وعملتها، وبناها التحتية، وشرعيتها الداخلية، وعلاقاتها الخارجية، والتجارب التاريخية تظهر أن الدول التي تنشغل بتوسيع نفوذها أكثر من انشغالها ببناء مجتمعها، تصل غالباً إلى لحظة يرتد فيها الحريق إلى الداخل، عندها تبدأ الأسواق بالاضطراب، وتتآكل الطبقة الوسطى، وتتراجع الثقة العامة، وتتسع الفجوة بين الخطاب الآيديولوجي والواقع المعيشي.
في المقابل، ثمة نمط آخر من القيادة لا يرى الحكمة ضعفاً، ولا الحوار تنازلاً، بل يعتبر أن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على حماية المجتمع من الانهيار لا بعدد الجبهات التي تفتحها، فالتاريخ لا يخلّد الذين أشعلوا الحرائق بقدر ما يتذكر الذين منعوا وقوعها، فلقد أثبتت تجارب المنطقة أن الحروب الطويلة لا تصنع دولاً قوية بقدر ما تنتج مجتمعات منهكة واقتصادات هشة ومؤسسات متآكلة، فالأنظمة التي تبدأ معاركها باسم المجد والكرامة، تنتهي غالباً إلى مزيد من العزلة والاستنزاف والتراجع الحضاري.
ولعل أخطر ما في هذه الحروب ليس عدد ضحاياها فقط؛ بل قدرتها على إقناع الشعوب بأن الخراب بطولة، وأن بناء عدو خارجي أسهل من بناء دولة حقيقية، وعندما يتحول الغرور إلى بديل عن العقل، والشعار إلى بديل عن الاقتصاد، والسلاح إلى بديل عن المؤسسات، تصبح الدولة، مهما امتلكت من قوة وخطابات، أكثر اقتراباً من الاستنزاف والإنهاك، وربما السقوط.
