خالد البري
إعلامي وكاتب مصري. تخرج في كلية الطب بجامعة القاهرة، وعمل منتجاً إعلامياً ومراسلاً سياسياً وحربياً في «بي بي سي - عربي»، وغطى لحسابها «حرب تموز» في لبنان وإسرائيل، وعمل مديراً لمكتبها في العراق. وصلت روايته «رقصة شرقية» إلى القائمة النهائية لـ«بوكر العربية».
TT

«نظام الطيبات» بين الطعام والسياسة

استمع إلى المقالة

إن سمعت شخصاً يدعو الناس إلى تناول السكر وشرب العصير بدل الماء، والتوقف عن التداوي بالإنسولين لمرضى السكري، أو الكورتيزون لمرضى المناعة الذاتية، أو مقاطعة العلاج الكيماوي لمرضى السرطان، فلن تفترض فيه إلا الجهل أو الاستهتار بحياة البشر. لكن المفاجأة أن تُقدَّم هذه الوصفة تحت شعار «صحة أفضل»، وأن تُسمى «نظام الطيبات».

كَوني طبيباً سابقاً؛ هذا الأمر يجعل صدمتي أكبر. أعرف أن هذه ليست مجرد أفكار خاطئة، بل وصفات لمضاعفات قاتلة. ومع ذلك، ينتشر هذا النظام من دون دليل علمي أو تجارب سريرية، ويُروَّج له إعلامياً بلا مساءلة. هذا لا يكشف عن ظاهرة عارضة، بل عن نمط تفكير شائع ومقبول.

وقد رأيت النمط نفسه في عملي المرتبط بالسياسة. أرى كمراسل ميداني أثر السياسات على الأرض، وأستمع إلى تجارب الناس الذين دفعوا ثمنها، ثم أجد في الإعلام ترويجاً لها بشعارات تُخفي حقيقتها، وتتلاعب بطريقة طرحها للجمهور؛ لترسخ هدفاً سياسياً لهذا الطرف أو ذاك.

ورأيت أيضاً كيف تصرّ بعض المجتمعات على التمسك بسياسات جرَّبتها بنفسها وفشلت، وجرَّبتها دول أخرى وفشلت؛ استجابة لدعاية سياسية ملحة ومضللة، لا تختلف كثيراً عن دعاية «نظام الطيبات» وهو ينصح مريض السكري بتناول السكر وتجنب الإنسولين.

يتشابه «نظام الطيبات» الغذائي مع السياسي في نوعية القائمين على الدعاية وجمهورها. الداعية الأساسي للنظام الغذائي أستاذ في الطب، وهي صفة تمنحه ثقة تلقائية. من الصعب على شخص بلا هذه المكانة أن يروج لفكرة كتلك ويجد من ينصت له. وهكذا في السياسة: نكسة الأمم يقودها منظّرون لامعون أو مسؤولون كبار، بتاريخ مهني يبرر الإنصات لهم. وإن اعترضت، أسكتوا صوتك متعجبين: «يعني هتعرف أحسن من فلان؟» نعم، أحياناً. ربما لا تملك معلومات أكثر، لكنك تملك فهماً أفضل.

المعرفة ليست كمية معلومات، بل قدرة على معالجتها. وهي موهبة تتفاوت بين الناس بتفاوت قدراتهم التحليلية والتخيلية، ثم تصقلها الخبرة والتجربة. كما أن الغرض يوجّهها؛ فيخلق انحيازات لا بد من الانتباه لها؛ لأن الدافع الإيجابي قد يكون مضراً كالدافع السلبي. هذه ثغرة كبرى في تقييم فاعلية سياسة أو خطة استثمارية أو خطة علاج.

والمعرفة أيضاً منظومة اجتماعية. وصفة الكارثة فيها بسيطة: شخص كاريزمي، دائرة من المنتفعين، وجمهور يبحث عما يستلطفه لا عما يفيده. ومع الخوف والرغبة البشرية في حلول سريعة، تصبح الأرض مهيأة لتصديق أي «وصفة».

المعرفة المضللة تعتمد على التجزئة وتجنب الشمول. تذكر أن الساعة الخربة تصيب مرتين في اليوم؛ لكن تقديم هاتين المرتين دليلاً على سلامتها ينافي الأمانة والتفكير السليم.

في «نظام الطيبات»، يُروَّج له عبر ما يتقاطع مع الصواب، كأفضلية الحبوب الكاملة على الدقيق الأبيض، وهي معلومة صحيحة ومعروفة، لكنها لا تثبت شيئاً عن بقية التفاصيل، ومن الإجرام تغليف كوارث هذا النظام بها.

وفي السياسة، يحدث الشيء نفسه. يُلتقط قرار واحد صائب، ليُستخدم دليلاً على منظومة كاملة من الأخطاء، وتبرير تكرارها.