لم يكن ما شهدته صناعة الإعلام في السنوات القليلة الماضية مجرد تطور تقني عابر؛ بل كان اندفاعاً كاسحاً أعاد تشكيل بنية تلك الصناعة من جذورها. فقد جاء الذكاء الاصطناعي لا بوصفه أداة إضافية في يد الصحافي؛ بل بوصفه قوة تحويلية مكتملة الأركان، أعادت تعريف مفاهيم الكتابة والتحرير والتحقق والنشر؛ بل وأعادت صياغة العلاقة بين الحقيقة والجمهور.
وفي خضم هذه الفورة، بدا المشهد وكأنه يفتح أبواباً واسعة لفرص غير مسبوقة، وفي الوقت ذاته يطلق العنان لمخاطر كامنة قد تفضي إلى فوضى معرفية، وانهيار في معايير المهنة، إن لم تُحكَم السيطرة عليها.
فمنذ أن اقتحم الذكاء الاصطناعي التوليدي غرف الأخبار، لم يعد الأمر مجرد تقنية تُضاف إلى ممكنات الصحافي؛ بل غدا إعادة تشكيل جذرية لمفهوم الصنعة ذاتها. الخبر يُكتَب، والمقال يُدَبَّج، والصورة تُوَلَّد، والمقابلة تُفَرَّغ، والبيانات تُحَلَّل، وكل ذلك في أجزاء طفيفة من الزمن.
هذه الفورة ليست مجرد تحديث تقني قابل للاحتواء؛ بل هي ثورة مكتملة الأركان، تحمل في طياتها بشارات التجديد، كما تُخبئ في ظلالها بذور الفوضى. وسيكون للتاريخ رأي قاطع في طريقتنا في التعامل معها.
غير أن ما يزيد المشهد تعقيداً، أن المنظومة التشريعية والتنظيمية التي طالما كانت الحَكَم بين الصحافة وتجاوزاتها، عجزت عن ملاحقة هذا الركض المحموم. القوانين التي صيغت في عصر الورق والبث التلفزيوني لا تزال تترنح أمام إشكاليات المِلكية الفكرية في عصر المحتوى المُولَّد، والأطر التنظيمية الأوروبية والأميركية ما زالت في طور الصياغة والتجريب، تلاحق قطاراً انطلق قبل أن تكتمل محطاته ويُرسَى مساره.
في هذه الفجوة الرمادية بين ما هو قائم وما هو آتٍ، يقف الصحافي وحيداً أمام أسئلة لا تحتمل التأجيل.
فهل هناك نهج أو إطار قادر على فرز المُباح عن غير المُباح عندما يستخدم الصحافي هذه الممكنات الجديدة؟
نعم. بالاستناد إلى ما رسَّخته المرجعيات الغربية الحديثة من معايير مهنية وقانونية وأخلاقية، يمكن تحديد ملامح المُباح بوضوح لا لبس فيه. يحق للصحافي توظيف الذكاء الاصطناعي أداةً للبحث والتدقيق وتحليل الكميات الضخمة من البيانات التي يعجز عنها الجهد البشري المنفرد؛ فصحيفة مثل «واشنطن بوست»، ووكالة أنباء مثل «أسوشييتد برس» (أ.ب)، باتتا توظفانه في مسح الأرشيف، وتحليل الميزانيات الحكومية، بشكل يعزز التحقيقات والقصص. ويُباح كذلك استخدامه في تفريغ المقابلات، وترجمة المحتوى، والتحرير اللغوي، شريطة أن تظل العين الصحافية البشرية هي المُراجِعة والمُصحِّحة والمسؤولة.
وفي السياق ذاته، يوصي «معهد رويترز لدراسة الصحافة» باستعمال أدوات التحقق من الصور والفيديوهات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بوصفها درعاً في مواجهة التزوير؛ لا أداة لإنتاجه.
في المقابل، تتشكل منطقة المحظورات بخطوط حمراء لا تقبل المساومة. نَسَب محتوى مُولَّد بالكامل إلى قلم بشري احتيال صريح، يهدر ثقة الجمهور، ويضرب النزاهة المهنية في مقتل. وقد رصدت «مؤسسة نيمان للصحافة»، بجامعة هارفارد، حالات نشرت فيها منابر إخبارية مقالات خاطئة؛ لأنها وُثِّقت بمخرجات النماذج من دون تدقيق.
ويُحظر كذلك توليد صور أو مقاطع صوتية لأشخاص حقيقيين في سياقات مُختلقة؛ إذ تقع هذه الممارسة في دائرة التزوير الإعلامي الذي تجرِّمه قوانين التشهير في معظم النظم القضائية.
أما تدريب النماذج على محتوى محمي بحقوق النشر دون إذن فمسألة لا تزال تنظر فيها المحاكم الأميركية والأوروبية، وحكمها الأخلاقي سابق لحكمها القانوني. ويضاف إلى ذلك خطر الاعتماد الأعمى على مخرجات قد تعكس تحيزات النماذج وثغراتها، فتتسرب إلى المحتوى الصحافي أحكام مُسبقة مموهة بلغة تبدو موضوعية.
بين هذا المُباح وذاك المحظور تتجلى المسؤولية الحقيقية للصحافة. فالذكاء الاصطناعي بثورته الفائرة الممتدة لم يمنح الصحافي أداة جديدة بقدر ما ألقى عليه تبعة أثقل؛ فالاستسلام للاستسهال الذي تتيحه هذه التقنية طريق مفتوحة نحو صحافة فارغة، تصنع الفوضى المعلوماتية وتغذيها. أما إدارة هذه الثورة بتبصر يعرف حدودها، وروية تستوعب إمكاناتها، فذلك هو الرهان الحقيقي الذي تواجهه المهنة في لحظتها الفارقة؛ رهان لا تُربَح نتيجته بالتردد ولا بالاندفاع؛ بل بالوعي الذي يحوِّل الذكاء الاصطناعي من شريك مُفوَّض بصلاحيات كاملة إلى وسيلة مساعدة.
هكذا يتبين أن الذكاء الاصطناعي -على الرغم من طابعه الثوري- لا يلغي جوهر المهنة الصحافية؛ بل يعيد اختبارها في أعمق مستوياتها. إنها لحظة اختبار حقيقية، لا للأدوات وحدها؛ بل للقيم التي قامت عليها الصحافة ذاتها. وفي هذا الاختبار، لن يكون الفارق بين النجاح والإخفاق هو امتلاك التقنية؛ بل القدرة على ترويضها أخلاقياً ومهنياً، بحيث تظل الحقيقة هي البوصلة، ويظل الإنسان هو الحارس الأخير لمعناها.
