الحرب في السودان لحظة إقليمية خطيرة، تتجاوز حدود الصراع الداخلي، فهي أزمة مفتوحة على احتمالات إعادة تشكيل التوازنات في وادي النيل، والقرن الأفريقي، والبحر الأحمر، حيث يمكن أن يتحول استمرار القتال إلى شرارة قادرة على القفز فوق الحدود الجغرافية، وإعادة إنتاج الفوضى، في محيط عربي وأفريقي شديد الحساسية.
لذلك تبدو قضية السودان اختباراً لقدرة الإقليم على حماية الدولة الوطنية، ومنع تحول السلاح، خارج إطار المؤسسات الرسمية، إلى فاعل دائم داخل المعادلة السياسية.
السودان منذ أبريل (نيسان) 2023 يعيش حالة استنزاف تاريخي، حيث لم تعد الحرب صراعاً تقليدياً على السلطة، لكنها أصبحت تهديداً لبنية الدولة نفسها، فوجود قوة مسلحة، خارج إطار المؤسسة العسكرية الوطنية، يخلق ازدواجية في السيادة، ويؤسس لدورات متجددة من العنف، ويضع المدن السودانية أمام احتمال التحول إلى ساحات نزاع دائم، يهدد النسيج الاجتماعي، ويعمق الأزمات الإنسانية.
في هذا السياق تبدو التحركات الدبلوماسية الصادرة من القاهرة والرياض وواشنطن محاولة لاحتواء الانفجار قبل اتساعه، فالقاهرة والرياض تتحركان في مسار استراتيجي متقارب، يقوم على أولوية إنقاذ الدولة السودانية، فاستقرار السودان يمثل ركيزة للأمن العربي والأفريقي، وانهيار مؤسساته الوطنية قد يفتح المجال أمام شبكات السلاح، والمرتزقة العابرة للحدود، بما يهدد الاستقرار الإقليمي كله.
التحرك المشترك بين القاهرة والرياض يظهر كحالة استراتيجية واحدة، ترى القاهرة أن الأمن القومي المصري مرتبط مباشرة باستقرار السودان، فالحرب لا تهدد الحدود الجنوبية وحدها، وإنما تؤثر أيضاً على معادلات مياه النيل، وتوازناتها السياسية. لذلك تؤكد الدبلوماسية المصرية أن استمرار الحرب يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي، مع رفض أي ترتيبات تسمح بظهور كيانات عسكرية موازية للدولة السودانية، أو تعمق الهشاشة المؤسسية؛ لأن وحدة الدولة السودانية تعد عنصراً أساسياً في استقرار وادي النيل.
وفي المقابل تعتمد الرياض مقاربة تقوم على دعم المسار الإنساني والسياسي معاً، فقد تحركت دبلوماسية الرياض منذ المراحل الأولى للنزاع، إدراكاً بأن أمن البحر الأحمر مرتبط باستقرار السودان، وأن الممرات الملاحية الدولية لا يمكن أن تبقى عرضة للتصعيد العسكري، أو تمدد السلاح خارج إطار الدولة، كما جاء التنسيق السعودي مع واشنطن حول السودان ضمن رؤية أوسع للاستقرار الإقليمي.
الولايات المتحدة دخلت الملف السوداني بصورة أكثر وضوحاً بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حول عزمه التدخل لإنهاء الحرب، حيث كشف مستشار الرئيس للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس عن اتصالات دبلوماسية مع القاهرة والرياض، بهدف تعزيز فرص وقف إطلاق النار، ضمن جهد دولي، يمنع تحول السودان إلى بؤرة صراع طويل في القرن الأفريقي.
هذه الجهود لا تستهدف تجميد القتال عند حد معين، لكنها تسعى إلى إعادة بناء الدولة السودانية نفسها، فالسلام المؤقت، الذي لا يعالج جذور الأزمة السياسية والعسكرية والاجتماعية، غالباً ما يتحول إلى هدنة بين جولات جديدة من العنف، بخاصة إذا بقي السلاح خارج سيطرة المؤسسة الوطنية، أو استمرت شبكات التمويل العسكري غير الشرعي داخل الإقليم.
إلى جانب البعد الإقليمي، تبدو الحرب جزءاً من تحولات أوسع في موازين القوة الدولية، داخل منطقة البحر الأحمر وشرق أفريقيا، حيث يتداخل التنافس الاقتصادي والعسكري بين القوى الكبرى مع الأزمات المحلية، ويصبح استقرار الدول الهشة هدفاً استراتيجياً لمنع تمدد الفوضى، أو توظيفها في صراعات النفوذ.
الموقع السوداني يمنحه قيمة جيوسياسية خاصة، فهو يطل على مسار ملاحي عالمي، يربط آسيا بأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس؛ ولذلك فإن أي اضطراب أمني على السواحل السودانية، أو داخل عمق الدولة، قد يؤثر في حركة التجارة والطاقة العالمية، ويمنح الجماعات المسلحة فرصة للتمدد داخل فراغات السيطرة.
التحرك الدولي تجاه الأزمة السودانية يعكس إدراكاً متزايداً بالخطر، فترك السودان في حالة حرب طويلة قد يفتح المجال أمام تمدد التنافس الدولي داخل القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهو ما يفسر تصاعد الاهتمام الدولي بالملف السوداني ضمن رؤية أشمل، تتعلق بأمن الممرات البحرية، واستقرار التوازنات الإقليمية.
من هذا المنطلق تتحرك القاهرة والرياض ضمن مقاربة واضحة، ترى أن استقرار السودان يمثل خط دفاع متقدم عن الأمن العربي والأفريقي، في مواجهة احتمالات تمدد الصراعات المسلحة، أو إعادة تشكيل شبكات القوة غير الرسمية؛ لذلك يركز المسار الدبلوماسي المشترك على تجفيف مصادر التسليح، والضغط نحو حل سياسي يرسخ سيادة الدولة.
المنطقة كلها تقف الآن أمام معادلة حساسة، فاستمرار الحرب السودانية قد يؤدي إلى إعادة إنتاج نماذج الدول الهشة، وهذه بدورها قد تتحول إلى ساحات تنافس دولي غير مباشر، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات العسكرية، ويصبح استقرار المجتمعات المحلية رهينة صراعات ليس لها علاقة بتطلعات الشعوب.
السودان يقف الآن أمام خيارين تاريخيين؛ الأول: نجاح الجهود الدولية والإقليمية في فرض مسار سياسي، يوقف النزيف، ويعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة. والثاني: استمرار الصراع بما يحمله من مخاطر التفكك السياسي، وتهديد التوازن المائي في حوض النيل، واتساع موجات النزوح الإنساني.
إن إنقاذ السودان لم يعد قضية سودانية خاصة، لكنه أصبح مسألة تتعلق بمستقبل الإقليم كله، فالسودان جسر جغرافي بين العالم العربي وأفريقيا، وأي انهيار فيه قد يفتح الباب أمام موجات اضطراب، تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي والملاحة الدولية.
لذلك، فإن منع شرارة الحرب من القفز خارج الحدود السودانية يمثل مهمة استراتيجية مشتركة، تتطلب ضغطاً دبلوماسياً مستمراً، ودعماً سياسياً واقتصادياً، لإعادة بناء الدولة السودانية على أساس مؤسسي مستقر.
أخيراً أقول لكل الأطراف المتنازعة والطامحة: ارفعوا أيديكم عن السودان.
