«إنني أقرأ لأنني نسيت»... هذه المقولة أطلقها رولان بارت، وهي التي تكاد تكون الحقيقة الأولى في الأدب وفي الفن. إننا نقرأ الأدب ونتمتع بالفنون نظراً واستماعاً لا لشيء، إلا لما نجده فيها من انعكاسات لأنفسنا. إنها نحن معكوسة أمامنا في أبيات شعرية أو حبكة روائية أو خطوط على لوحة... أو نغمة موقعة، (مقتبس من كتابي «الخطيئة والتكفير»). ومنه أنطلق لوظيفة النسيان في الإبداع.
ولو تصورنا كم تنتج أذهاننا من أفكارٍ في ساعة واحدة مثلاً، لما أحطنا بذلك عدداً، وكل حركة تمرّ بنا أو صورة أو صوت ستترك جميعها على صفحة الذهن صوراً ذهنية تتحول مع الوقت إلى أفكارٍ حسب حال ما نستقبله وما نسمعه وما نشمه. وكثيراً ما تكون هذه ظنوناً حسب مصطلحنا العام أو أوهاماً وهواجسَ، لكنها كلها تترك أثرها فينا ويختزنها الذهن وستذهب هناك في مخازن الذاكرة ظناً منا بأننا نؤجلها لتنقيحها وتنقيتها أو التخلص منها. والذهن تلقائياً يفعل فعل المحو المتصل، فكل صورة جديدة تدخل للذهن تنسخ سابقتها بمعنى إيداعها في خانة النسيان، وكل وجه يمر بنا سيتزاحم مع وجوه قبله.
وقد يلتصق بنا وجهٌ محدد أو صوتٌ محدد أو رائحة، ولكن ذلك كله سيمر وكأنه لم يحضر ونحن نعرف ذلك بخبرتنا مع ما يقع لنا في حياتنا اليومية ونعرف من خبرتنا أننا سننسى، ولذا نلجأ لتسجيل بعض الحوادث اللافتة إما بالتقاط صورة أو رصد ملاحظة على ورق أو تثبيتها باستمرار تحت مظنة التفكر فيها، إلى أن يطرأ ما هو أشد إلحاحاً فيسرق لها نقطة اهتمامٍ مباشر وبمقدار إشغالها لتفكيرنا فهي ستتوثق معنا. وهذا ما يجعل التركيز على أي حال استقبالاً ذهنياً يفعل فعله في إلغاء غيره مما تخزّن من قبل.
وهذا يعني أننا مرهونون لفعل النسيان والمحو مع كل خطوة نخطوها طوال يقظتنا. وكذلك نجنح لنسيان أحلامنا في المنام وقليلٌ نادرٌ منها ما يتبقى ويظل معنا ولو لبعض الوقت.
ونحن ننسى فعلاً، والذاكرة الجمعية للبشر أيضاً تنسى، وفعل التذكير يصبح ضرورياً لاستعادة ولو بعض المنسي. كما أننا نمارس التغافل وهو وجه من وجوه التناسي. والتغافل فعلٌ أخلاقي وترفعٌ سلوكي وأحيل هنا لكلمة ابن حنبل في أن «التغافل تسعة أعشار حسن الخلق» وأنك لكي تعفو لا بد أن تنسى وهي قيم أخلاقية عليا لها وظيفةٌ تحقق سلامة الضمير وتحريره وتعني العيش بسلام، وهذه ضرورية للعلاقات العامة وللأمن الاجتماعي.
وقد يكون التذكر نقمةً حين يكون سبباً للحقد أو الرغبة في الثأر، والثأر حس شيطانيّ شخصه غاندي بقوله «الثأر هو أن تعظ الكلب الذي عظك».
على أن التذكر الكامل الذي نسميه الحفظ يكون مزحوماً بالتفاصيل، والتفاصيل تقتل الإبداع كما تفعل التخمة بالجسد، حيث تفسد حس التذوق، ولكن نصف التذكر يحفز الذهن لتغطية الناقص وهذا مدعاةٌ للإبداع. والأبلغ إبداعية هو حين ننسى الحدث بالمطلق، وهنا تنشط المخيلة لاستعاضة المفقود كما فعلت الثقافة مع قيس بن الملوح حيث أفقدته عقله أولاً، ثم جعلته يهيم بليلاه العامرية، وهو الاسم الذي أصبح مطلباً لكل شعراء الحب والفقد والتعلق اقتداءً منهم بالمجنون تعشقاً وتأسياً. وكل فقدٍ هو مدعاةٌ لإبداعٍ يسد مسد ما فات.
غير أن هناك صيغاً للنسيان تعطي نتائجَ سلبيةً كأن ننسى المعروف أو ننسى حق غيرنا علينا أو ننسى درساً في لحظة الامتحان، أو حبة دواء تضبط جريان الدم في الجسم. وهذا النسيان الضار، ويجاريه النسيان النافع كحال الكوليسترول النافع يقابله الآخر الضار.
ومن ثم فإن وظيفة النسيان وظيفة حيوية تفوق وظائف التذكر من حيث مزايا النسيان أو مخاتلاته، وكل مزية لها وجهها السلبي، فقوة الملاحظة مثلاً ترهق صاحبها ولو غفل استراح. وفي النهاية فلعبة التذكر والمحو هي لعبة إبداعية تجلت لدى مجنون ليلى بقوله:
عَشيَّةَ ما لي حيلَةٌ غَيرَ أَنَّني
بِلَقط الحَصا وَالخَطِّ في الدارِ مولَعُ
أَخُطُّ وَأَمحو كُلَّ ما قَد خَطَطتُهُ
بِدَمعِيَ وَالغِربانُ حَولِيَ وُقَّعُ
فالخط والمحو هو الصيغة الشعرية لفعل الذاكرة في لعبة التذكر والتناسي. ولا تستقيم أمور الحياة العقلية ولا الوجدانية إلا في تداول مستمر بين التذكر والنسيان، وهذه وظيفة النقص في البشر، حيث تتحرك العقول لسد النواقص ومنه تأتي الابتكارات والاختراعات وكذلك فتوحات الإبداعات الكبرى.
ويبلغ النسيان أخطر درجاته حين يكون متقّصداً وهو الذي نسميه بالتناسي، وهذا جرمٌ ثقافي فتاك ومن أقصى أمثلته تناسي دور المرأة في الفلسفة، وبما أن الفلسفة هي أعلى درجات الفكر الحر، فإنها وقعت تحت سوط الاحتكار الذكوري مثلها مثل الفحولة الشعرية، وكلاهما حكرٌ على الرجال رغم وجود عشرات الفيلسوفات على مر التاريخ، وقد جرت محاولاتٌ لاستعادة ذاكرة الفيلسوفات، ولكن بعد أن تمكن التناسي من سحق وجودهن حتى لم يعد ينفع معه أي مسعى لتذكير ما طمسته الثقافة.
