تحوّل منتدى دافوس المنعقد في 19 يناير (كانون الثاني) 2026 إلى غرفة طوارئ دولية، في ظل تصاعد التوترات التجارية والجيوسياسية، وتآكل الثقة في النظام الاقتصادي العالمي وعدم وضوح ملامح المنظومة الجديدة. لم يناقش المنتدى فقط معدلات النمو المترهلة في العالم، وخاصة في القارة الأوروبية العجوز والأسواق الناشئة فقط، بل كان يبحث أيضاً عن كيفية منع الانهيار ومحاولة تحقيق هبوط سلس بأقل التكاليف الممكنة، مع استكشاف تحول علم وأصول ومفاهيم جديدة لإدارة المخاطر، حيث تواجه البنوك والشركات تحديات مخاطر غير مسبوقة، بدءاً من التحولات الجيوسياسية وصولاً إلى الاضطرابات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي.
فالحرب الروسية الأوكرانية منذ 2022 ما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على أسواق الطاقة والغذاء، والصراع في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي والبحر الاحمر يضغط على سلاسل الإمداد والتجارة البحرية، ما يساهم في ارتفاعات حادة في معدلات التضخم، ويصعّب مهمة البنوك المركزية لخفض أسعار الفائدة، بينما تعود النزعة الحمائية بقوة مع تصاعد الحروب التجارية، خاصة بين القوى الكبرى.
في خضم كل هذه التحولات الجيوسياسية، يغرق العالم في دوامة ديون عالمية تصل إلى 111 تريليون دولار في 2025، أي ما يعادل 94.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. تدين الولايات المتحدة بمبلغ 38.5 تريليون دولار، أي ما يقارب 125 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي. وتتحمل المملكة المتحدة واحداً من أعلى تكاليف الاقتراض بين الاقتصادات المتقدمة، مع عجز في الموازنة يزيد على 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ودين عام يعادل ناتجها، ما يترك مجالاً ضئيلاً للاستجابة للصدمات المستقبلية.
ومع استمرار ارتفاع نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، أصبحت خدمة هذه الديون أكثر تكلفة. وفي أوروبا، يُعد عبء ديون اليونان هو الأعلى على الإطلاق، حيث يبلغ 147 في المائة، أي ما يقارب ضعف متوسط المنطقة. تأتي إيطاليا في المرتبة التالية، بنسبة دين تبلغ 137 في المائة، بانخفاض عن أعلى مستوياتها في عام 2020 التي بلغت 155 في المائة.
وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، صدرت استراتيجية الأمن القومي الأميركية. وهي تُمثل تحولاً جذرياً نحو نهج قائم على المعاملات ويركز على السيادة، مما يُعيد تعريف التحالف عبر الأطلسي. فهي تضغط على الدول الأوروبية لتحمل مسؤولية أكبر عن دفاعها، وتنتقد السياسات الداخلية الأوروبية. ولقد تضمنت الاستراتيجية قسماً كبيراً عن أوروبا، مع موقف نقدي تجاه الاتحاد الأوروبي والسياسات الداخلية: حيث تنتقد الاستراتيجية صراحةً سياسات الهجرة الأوروبية، والمسارات الاقتصادية،
جاءت الاستراتيجية متوافقة مع التصريحات السابقة لكل من دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس. ففي خطاب ألقاه في فبراير (شباط) 2025 خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، انتقد فانس الحلفاء الأوروبيين بشدة، مُجادلاً بأن أكبر التهديدات التي تواجه القارة داخلية وليست خارجية. وقد استهدف سياسات الهجرة الجماعية في أوروبا.
تتبنى هذه الاستراتيجية لغة حادة صارمة، متجاوزةً جميع الأعراف الدبلوماسية التقليدية؛ متهمةً سياسات الاتحاد الأوروبي بتقويض السيادة الوطنية وتشجيع الهجرة. وتؤكد أن أوروبا لم تعد القلعة الحصينة للحلفاء، وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فسيكون من الصعب التعرف على القارة في غضون 20 عاماً أو أقل.
كانت حرب أوكرانيا ورقة التوت التي كشفت عن عورة الجيوش الأوروبية. ففي خضم الحرب، صرّح مسؤول في الجيش البريطاني بأن الجيش البريطاني سيتلاشى في غضون أقل من ستة أشهر إذا اضطر للدخول في حرب أوكرانيا. هذا الضعف العسكري ليس سوى انعكاس للوضع الاقتصادي المتردي في أوروبا؛ فمع سنوات من النمو الصفري، وأعباء الديون الثقيلة، أصبحت القارة غير قادرة على الحفاظ على الهوامش المالية اللازمة للاستثمار المناسب في المجال العسكري.
تواجه أوروبا هشاشة أمنية، ناتجة عن إفلاس مالي صامت، يضع مؤسساتها في موقف ضعيف أمام محركات وقاطرات النمو العالمي. واقع الأمر أن القارة الأوروبية تصارع من أجل البقاء. أزمات هيكلية خانقة تهدد بإطاحة أوروبا من نادي الكبار ودفعها نحو مصاف دول العالم الثالث. ديون متراكمة وشيخوخة وتخلف تقني، قد تُخرج القارة من صراع المستقبل وتضع أقوى اقتصاداتها على حافة الانهيار، ناهيك بتحول ديموغرافي عميق يهدد بطمس هوية القارة العجوز، ويُغير من تركيبتها السكانية إلى الأبد. فالحلم الأوروبي أصبح كابوساً.
تصارع دول الاتحاد الأوروبي لتحقيق معدلات نمو تتراوح بين 1 في المائة و1.5 في المائة سنوياً، مقارنةً بـ2.5 في المائة خلال العقد الماضي. كما أنه في نهاية الربع الثالث من عام 2025، بلغ إجمالي الدين الحكومي العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو 88.5 في المائة، بزيادة مقارنةً بـ88.2 في المائة في نهاية الربع الثاني من عام 2025.
والواقع أن التكنولوجيا نقطة ضعف أوروبا. فالاتحاد الأوروبي لا يحتل مكانة تُذكر في خريطة المستقبل. في عام 2025، تُظهر معظم التقارير الموثوقة أن الولايات المتحدة استضافت حصة كبيرة من شركات اليونيكورن العالمية، وهي الشركات الناشئة الخاصة التي تُقدّر قيمتها بأكثر من مليار دولار؛ حيث يوجد في الولايات المتحدة 705 شركات من هذا النوع مقارنةً بـ409 في الصين، و112 فقط في الاتحاد الأوروبي.
كما يتخلف الاتحاد الأوروبي بشكل كبير في مجال البحث والتطوير. فقد أنفقت الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على البحث والتطوير في عام 2025 ما لا يزيد على 40 مليار يورو (460 مليار دولار)، مقابل 900 مليار دولار في الولايات المتحدة و500 مليار دولار في الصين.
يبدو أن تغيير هذه التوجهات في أوروبا ليس وشيكاً؛ لا سيما أن ألمانيا، «القوة الصناعية الكبرى» ورمز أوروبا ومحركها الاقتصادي، تواجه صعوبات جمة. فألمانيا تمرّ باختبار يهدد مكانتها بوصفها ثالث أكبر اقتصاد في العالم، وتشهد أعمق أزمة اقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية.
* أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل جامعة نيويورك - الولايات المتحدة
