توفيق السيف
كاتب سعودي حاصل على الدكتوراه في علم السياسة. مهتم بالتنمية السياسية، والفلسفة السياسية، وتجديد الفكر الديني، وحقوق الإنسان. ألف العديد من الكتب منها: «نظرية السلطة في الفقه الشيعي»، و«حدود الديمقراطية الدينية»، و«سجالات الدين والتغيير في المجتمع السعودي»، و«عصر التحولات».
TT

الأجانب والحكومة الوطنية

استمع إلى المقالة

هذه عودةٌ لقصة قديمة، بطلُها الرئيسُ الفرنسي السابق فرنسوا هولاند. بدايتها هجمات إرهابية في باريس في 7 يناير (كانون الثاني) 2015، أسفرت عن مقتل 17 شخصاً. كانَ الرئيس وقتئذ قد خسر شعبيته تماماً. وقالت استطلاعات رأي إنَّه يحظَى بتأييد 17 في المائة فقط من الفرنسيين. وكانَ إخفاقُ الحكومةِ في معالجة مشكلة الهجرة، سبباً رئيسياً وراء شعور الرأي العام بعدم كفاءة الحكم.

توقَّع المراقبون أن تقضي هذه الحادثة على ما تبقى من شرعية الرئيس، فيضطر لإقالة الحكومة، أو توجيه الشرطة لشن عمليات واسعة (حتى لو بدت انتقامية) ضد مناطق المهاجرين، كي يظهر أمام الجمهور في لباس القائد الحاسم، فيبدد الاعتقاد السائد بأن حكومته مترهلة أو عاجزة عن إدارة البلد.

لم يحصل هذا ولا ذاك. توجه هولاند إلى الفرنسيين مستنهضاً ما نسميه «روح الجماعة»، أي الشعور العميق بالتضامن بين المواطنين، فركز خطابه على ما سمّاه «قيم الجمهورية» أي الحرية والمساواة والإخاء. وكان هذا خير رد على دعوة اليمين المتطرف لتحويل المناسبة إلى حملة شعبية ضد المهاجرين. بعدها بأسبوع، شهدت باريس تظاهرة حضرها مليونان من الفرنسيين، يتقدمهم هولاند مع 50 من قادة الدول وكبار السياسيين، حضروا للتأكيد على أن احتواء العدوان يتم بتعزيز التضامن الداخلي والاعتزاز بالذات الوطنية، وليس تصدير الأزمة أو تعليقها على مشاجب الآخرين.

وخلال العشرين عاماً الماضية، تعرضت فرنسا لأزمات اقتصادية وسياسية، واجهتها بتأكيد التضامن واحترام الذات الجمعية. وقد نجحت حتى الآن في احتواء معظمها.

ما الداعي للتذكير بقصة قديمة؟

إذا كنت من متابعي أحوال السياسة في هذه الأيام، فلا بد أنك لاحظت ديباجة مكررة، وهي اتهام الخارج بالتسبب في أزمات الداخل. من ذلك مثلاً أن الجيش الباكستاني نفذ عمليات في بلوشستان قُتل فيها 170 شخصاً، رداً على تحرك انفصالي قال الجيش إن الهند وراءه. وعلى الجانب الشرقي، قام الجيش البورمي بتهجير مئات الآلاف من المسلمين إلى بنغلادش، مدعياً أن قوى خارجية تحركهم ضد الحكم المركزي. وإلى الغرب قليلاً، في إيران، اتهمت الحكومة دولاً أجنبية عديدة بتحريك تظاهرات ضخمة جداً، أوقعت 3000 قتيل وفق أرقام رسمية. وإلى الشرق أيضاً تتهم السلطة الفلسطينية حركة «حماس» بتنفيذ أجندات أجنبية في حربها مع إسرائيل. والحال نفسها في السودان وإثيوبيا وإريتريا وليبيا، وغيرها. نعرف طبعاً أن الأعلى صوتاً بين الجميع، هو الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يصرح يومياً بأن الدول الأجنبية تسرق وظائف الأميركيين وأموالهم.

لا أحد في عالمنا يصدق تماماً ما يقال. يعلم الناس أن هذه الأقطار فيها مشكلات اقتصادية وسياسية، تجعل الناس غير راضين عن أوضاعهم. تستطيع الحكومات معالجة الأزمات واستعادة رضا الجمهور عنها، في بعض الأحيان. لكن الأمر لا يكون طيباً في جميع الأحوال. فإذا شعر الناس بأن حكومتهم تتجاهل مشكلاتهم، أو تستبدل بالعلاجات المؤقتة الضرورية، شعارات وكلاماً عن العلاجات الطويلة الأمد، عندئذ سيفقد الناس ثقتهم في وعود الحكومة، مهما بدت معقولة. الأسوأ من هذا أن يتجاهل السياسيون جوهر المشكل وأسبابه، ويلقون غسيلهم على حبال الخارج، فيتهمون هذه الدولة أو تلك بالتسبب في أزماتهم، ثم يقنعون أنفسهم بأن الحل في الخارج، فإذا توقف عن إثارة المشاكل، فسيعود كل شيء لطبيعته.

التدخل الخارجي محتمل جداً. لكن السؤال: هل كان الأجنبي سينجح في تأزيم وضعك، لو لم تكن عناصر الأزمة وأسبابها متوفرة بالفعل؟

الواقع أن الأجنبي عاجز في معظم الأحيان عن اختلاق أزمة، مهما امتلك من أدوات تأثير. لكنه قادر على «استثمار» أزمات موجودة بالفعل، أو عناصر أزمة كامنة في النظام الاجتماعي. استثمار الأزمة يختلف عن خلقها. وعلى من يشكو تدخل الأجانب أن يسائل نفسه: لماذا لم يعالج أسباب الأزمة، قبل أن يستثمرها الأجنبي. هل يعقل أن يكون الأجنبي أقدر من الدولة الوطنية على التعامل مع مكونات نظامها الاجتماعي؟