شيرين فؤاد معصوم
كاتبة عراقية
TT

العراق بعد 2003... الدولة سبقتِ المواطنة

استمع إلى المقالة

لم يكنْ سقوطُ نظامِ صدام حسين في عام 2003 نهايةَ حقبةِ استبداد فحسب، بل بداية اختبارٍ تاريخي للعراق؛ هل تستطيعُ دولةٌ خرجت من عقودٍ من الديكتاتورية أن تبنيَ نظاماً سياسياً جديداً دون أن تبنيَ الإنسان أولاً؟

عادَ معظم قادةِ المعارضة العراقية من المنفى، باستثناء الأكراد وبعض قياديين عرب، معظمهم شيعة، كانوا موجودين فعلياً داخل البلاد، تحت مظلةِ المؤتمر الوطني العراقي، الذي جمع أطرافاً متناقضة على هدف واحد؛ إسقاط النظام. لكن ما إن تحقَّق هذا الهدف، حتى ظهرَ الفراغ الحقيقي؛ غياب الرؤية لما بعد صدام.

قبل دخولِ بغداد، بدأ الصراعُ على السلطة. طالبتِ الأحزاب الشيعية بحصةِ الأسد من المناصب، باعتبارها تمثل الأغلبيةَ السكانية، فيما رأى الأكراد، وهم ثاني أكبر مكوّن في العراق، أنَّ لهم حقاً مشروعاً في تمثيل وازن في الدولة الجديدة، بما في ذلك رئاسة الجمهورية أو البرلمان. أمَّا المكوّن السني، فدخل العملية السياسية، وهو يشعر أنَّ ميزان القوة انقلب ضده، وأنه بات مهمشاً في عراق ما بعد 2003.

غير أنَّ المشكلة لم تكن في تقاسم السلطة وحدَه، بل في طبيعة التحول نفسه. القيادات السياسية، خصوصاً الكردية، انتقلت من دور ثوري مقاوم إلى دور دولتي مؤسساتي، دون أن تُهيّئ مجتمعاتِها لهذا التحوّل. رحّب الناس بمشاركة ممثليهم في بغداد، لكنَّهم لم يكونوا مستعدين لرؤية قادتهم وقد خلعوا عباءةَ النضال التاريخي. هذا التناقض أدّى إلى تآكل الثقة الشعبية، وتحوّل العراق إلى ما يشبه المقبرة السياسية لكثير من القيادات التي فقدت اتصالها بقواعدها الاجتماعية.

هذا الفشل لا يمكن تحميلُه للسياسيين وحدَهم. فقد كان واجبهم الدخول في العملية السياسية وتمثيل مجتمعاتهم. الفشل الحقيقي كان فشلاً جماعياً في إعداد المجتمع لمرحلة ما بعد الاستبداد. لم يكن هناك مشروع وطني للتثقيف المدني، ولا خطة لتعليم الناس معنى المواطنة، والحقوق، والمسؤوليات، وآليات عمل الدولة الحديثة.

تصرفتِ النخبُ الجديدة وكأنَّ الشرعية السياسية أمر بديهي، وأنَّ معارضة النظام السابق تكفي لمنح حق الحكم. ربَّما كان هذا الشعور بالاستحقاق مفهوماً في تلك اللحظة التاريخية، لكنَّه تحوَّل سريعاً إلى نمطِ حكمٍ مغلق، غير قادر على بناء مؤسسات حقيقية أو عقد اجتماعي جامع.

حاولتِ الولاياتُ المتحدة والغربُ إعدادَ جيل جديد من السياسيين، عبرَ برامجِ تدريب ودعم مؤسسي، استهدفت في الغالب شخصياتٍ عاشت في الخارج، انقطعت جزئياً أو كلياً عن المجتمع الذي عادت لتحكمه. جاءت هذه النخب بأفكار جديدة، لكنَّها اصطدمت بواقع اجتماعي لم يُهيّأ للديمقراطية. فلا يمكن فرضُ مفاهيمِ الحرية والمساءلة وسيادة القانون على مجتمع عاش طويلاً تحت الخوف، دون عملية تعليمية تدريجية وعميقة.

في هذا الفراغ، وُلد فساد غير مسبوق. لم يكنِ الفسادُ نتيجةَ سوء أخلاق فردية فقط، بل نتاج نظام انتقالي فشل في ضبط السلطةِ وربطها بالمساءلة. ومع أنَّ الغربَ حمّل السياسيين العراقيين مسؤولية هذا الفشل، فإنَّه لا يمكن تجاهل مسؤوليته أيضاً، خصوصاً في ملف الأموال المنهوبة التي وجدت طريقها إلى مصارف وأسواق خارج العراق دون محاسبة حقيقية.

هذا لا يعني إنكار الجهود الغربية أو التضحيات التي قُدمت في محاولة بناء عراق جديد. لكن الخطأ الجوهري كان الاعتقاد بأنَّ بناء المؤسسات يكفي دون بناء الثقافة السياسية. فالديمقراطية ليست نصوصاً دستورية فقط، بل سلوكاً يومياً يُتعلّم.

اليوم، يبدو مستقبلُ العراق مفتوحاً على كل الاحتمالات. هناك من يروّج لفكرة أنَّ العراق لا يُحكم إلا بقبضة قوية، وأنَّ الديكتاتورية هي الضامن الوحيد للوحدة. هذا طرحٌ خطيرٌ ومضلل. فالتجربة أثبتت أنَّ الاستبداد لا يوحّد، بل يؤجل الانفجار.

الطريق الواقعي نحو الاستقرار لا يكمن في العودة إلى الماضي، ولا في إنكار التَّعدد، بل في الاعتراف به. العراق ليس كياناً متجانساً، ومحاولات فرض الوحدة القسرية كلّفته دماءً غزيرة. من هنا، يبرز خيارُ النظام الكونفدرالي كإطار سياسي يعترف بالواقع، وينظم الاختلاف بدل أن يقمعه، ويبني شراكة طوعية، لا وحدة مفروضة.

قبول نظام سياسي جديد لا يعني خسارة الهيبة أو التنازل عن التاريخ، بل هو فعل شجاعة سياسية. إنَّ إنقاذَ الأرواح، وصونَ الكرامة، وبناءَ دولة قابلة للحياة، أهمُّ من الحفاظ على أوهام السلطة.

فالعراق لا يحتاج إلى حاكم أقوى، بل إلى مواطن أَوعى.