ذاب الجليد وظهر الكنز الدفين تحت سطح البحر، فأصبحت الطرق الجليدية سالكة وتحوّلت غرينلاند إلى منطقة لا يمكن تجاهلها في لعبة القوى العالمية والصراع العالمي، فما السرّ في ذلك؛ ولماذا تتحوّل قطعة جليد في أقاصي الشمال إلى مصدر اهتمام القوى العظمى؟
تقع غرينلاند شمال شرقي كندا وشمال غربي اسكوتلندا ما بين شمال المحيط الأطلسي والمحيط المتجمّد الشمالي تابعة لمملكة الدنمارك، لكنها تتمتّع بحكم ذاتي واسع النطاق. مع ذلك، فإنَّ هذا الحكم لا يشمل السياسة الخارجية والأمنية والسياسة النقدية.
يتساءل المرء: لماذا أضحت هذه الجزيرة المتجمّدة فجأةً محور صراع بين أميركا والصين وأوروبا وكنزاً اقتصادياً واستراتيجياً في القرن الواحد والعشرين؟
لم يأتِ اهتمام الرئيس الأميركي دونالد ترمب بغرينلاند عن عبث، إذ تتمتّع هذه الجزيرة بموقع استراتيجي وثروات طبيعية هائلة غير مُستغَلّة وما تمتلكه من معادن أرضية نادرة يبلغ عددها نحو 34 معدناً (خام الحديد والرصاص والزنك والماس والذهب والنحاس والغرانيت والنيكل والغرافيت واليورانيوم...) وثروة من النفط والغاز الطبيعي وفق تصنيف المفوضية الأوروبية عام 2007، تعادل أكثر من 30 مليار برميل، أي ما يقارب احتياطات الولايات المتحدة، كما أوضح موقع «بوليتيكو». لكن بالرغم من ذلك فإن جهود التنقيب عن النفط التي استمرت 30 عاماً من قِبَل شركات مثل «شيفرون» الأميركية و«إيني» الإيطالية قد توقفت في عام 2021، لأن حكومة غرينلاند حظرت التنقيب حفاظاً على البيئة. كما أنه في الوقت ذاته تأجّلت ثم تعطّلت محاولات تطوير قطاع التعدين بسبب معارضة السكان الأصليين، أضف إلى ذلك الإجراءات البيروقراطية من جانب السلطات، كما ذكرت «رويترز»، بخاصة أن عدم اكتراث الدنمارك أو الاتحاد الأوروبي بتطوير المعادن الأرضية النادرة في غرينلاند هو «خطر استراتيجي»، كما وصفه موقع «بوليتيكو»، في ظلّ المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على المعادن الأرضية النادرة.
خلال فترتي ولايته أشار ترمب إلى أنه على الولايات المتحدة الاستيلاء على غرينلاند، معلّلاً ذلك بأنّه لطالما اعتبرت الولايات المتحدة الجزيرة منطقة حيويّة للدفاع عن أراضيها، وكثيراً ما يزورها المسؤولون والدبلوماسيون والعسكريون الأميركيون وهيئة المسح الجيولوجي.
لكنّ بعد أن صعّد الرئيس ترمب لهجته وهدّد بغزو غرينلاند والسيطرة عليها لاعتبارات الأمن القومي من دون استبعاد الخيار العسكري، دعا نواب الاتحاد الأوروبي إلى تجميد الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ردّاً على التصعيد. وبعد أن أعلن الرئيس ترمب في يناير (كانون الثاني) 2026 عن اعتزامه فرض رسوم جمركية متصاعدة اعتباراً من فبراير (شباط) 2026 بنسبة 10 في المائة وترتفع إلى 25 في المائة على ثماني دول أوروبية، وتشمل الرسوم الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا، لدى إعلان هذه الدول عن رغبّتها إجراء مناورات عسكرية رمزيّة لحلف شمال الأطلسي «الناتو» (الذي تشكّل أميركا أحد أعضائه) في غرينلاند ردّاً على التصعيد الأميركي.
رغم أنّ هذه الرسوم ليست مؤكّدةً فإنها شكّلت إهانة وتهديداً للدول الأوروبية الحليفة للولايات المتحدة، في وقت شهدت فيه الدنمارك احتجاجات واسعة برفض أيّ غزو لغرينلاند من قِبَل الولايات المتحدة.
وكان الاتفاق التجاري لعام 2025 - 2026، الذي ينصّ على إخضاع معظم صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة لتعريفة جمركية بنسبة 15 في المائة على معظم السلع الأوروبية، بما في ذلك المنتجات الصناعية، مقابل إلغاء الرسوم على السلع الصناعية وتسهيل وصول المنتجات الزراعية الأميركية مع تخفيض الرسوم الجمركية على السيارات الأوروبية، وسط تهديد الرئيس ترمب بفرض رسوم أوروبية، محلّ انتقادات واسعة داخل البرلمان الأوروبي، إذ اعتبره بعض النواب منحازاً بشكل كبير لصالح واشنطن. ورغم ذلك، دافعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عنه باعتباره ثمناً ضرورياً للحفاظ على علاقة مستقرّة مع الولايات المتحدة ورئيسها ترمب.
أشار الرئيس ترمب إلى أنه إن لم تَقُم الولايات المتحدة بالسيطرة على غرينلاند، ستُقدم روسيا والصين على ذلك.
هذه الجزيرة العملاقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة وموقع جغرافي مميّز، ما يجعلها نقطة محوريّة للمصالح الدولية والتنافس عليها بخاصّة بين أميركا والعملاقين الصيني والروسي، إذ تسعى الصين إلى منافع اقتصادية متبادلة بينها وبين حكومة غرينلاند التي تبدي اهتماماً متزايداً بتعميق تعاونها مع الصين التي تعتبرها مستثمراً قوياً وسوقاً استهلاكية ضخمة، لا سيما في قطاعات التعدين وصيد الأسماك والسياحة، لذا فإنها تتطلّع إلى الصين شريكاً مهماً في تنميتها الاقتصادية الضرورية بهدف استقلالها عن الدنمارك. بينما تسعى روسيا لتعزيز نفوذها وتأمين معادن ثمينة استراتيجية وبدائل طاقويّة، مستفيدة من الانقسامات الغربية في المنطقة، كما تسعى إلى مصالحها الاقتصادية وتوسيع استثماراتها خارج حدودها وإنشاء فرص تجارية استراتيجية.
لِمَنْ الغَلَبَة في النهاية، وهل من أملٍ في توحيد الجهود والوصول إلى اتفاقٍ دولي حول غرينلاند؟!
