سمير التقي
TT

إيران... مرحلة الانفتاح نحو مسار التحوّل

استمع إلى المقالة

بخطى متسارعة، تتحرك إيران، منذ أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025، نحو اتجاه خطير، لا يكفي لوصفه بالحديث عن «احتجاجات معيشية».

تبدو موجة الاحتجاجات الراهنة أقربَ إلى اختبار جدي لمستقبل النظام السياسي؛ لا لأنَّ الشوارع امتلأت فقط، بل كذلك لأنَّ قواعد اللعبة نفسها قد تبدَّلت بعمق. فحين تتغيَّر العوائد المتوقعة لدى اللاعبين في الساحة الداخلية (السلطة، والمحتجون، والنخب المترددة، وأجهزة القمع، والفساد) يتحوّل النزاع من جدلٍ على الأسعار إلى رهانات نموذج الدولة بكُلّيته.

دلالة المكان هنا أهمّ من دلالة الشعارات. فلقد انطلقت الشرارة هذه المرة من بازار طهران الكبير؛ وهو ليس مجرد سوق، بل عقدة تاريخية في العقد الاجتماعي المؤسِّس للنظام؛ إذ تَبدَّلَ دور البازار من أن يكون «صمام توازنٍ» اجتماعي، إلى أن أصبح هو «مسرح الاحتجاجات»؛ مما يشي بأنَّ الاقتصاد لم يعد ساحةً محايدة، وبأنَّ هيمنة «الحرس الثوري» على مفاصل التجارة والتمويل أزاحت طبقاتٍ تجاريةً صغيرةً ومتوسطةً إلى هامشٍ لا يطيق التضخم والعقوبات.

هنا يتقدّم الصراع من الأطراف إلى القلب: قلب الإيرادات، وشبكات المصالح، وشرعية إدارة الرزق.

تتضاعف الهشاشة بفعل ذاكرةٍ قريبة. أحدثت حرب يونيو (حزيران) 2025، وما تلاها من ضربات أميركية استهدفت منشآت نووية إيرانية، شرخاً هائلاً، ليس في بنية الردع القومي فقط؛ بل وفي السردية الشرعية الوطنية «الظافرية» للنظام.

داخلياً؛ يصعب تسويق «التكلفة الإقليمية» لأذرع إيران، بوصفها استثماراً ناجحاً، عندما يرى المواطن أنَّ الدولة لم تحمِ البلاد وأنّ الأذرع في حكم المنتهين.

في منطق نظرية الألعاب، لا يكفي امتلاك أدوات الردع؛ بل يجب أن تكون ذات مصداقية عند الآخرين، في الداخل والخارج. والحرب، مهما كانت تفاصيلها، أدخلت الشك في «المصداقية والالتزام» أكثر مما أدخلت الخوف.

ثم جاء التعتيم على الـ«ميديا» ليُربك الحسابات. وإذ يتيح الإغلاقُ شبه الكامل للإنترنت تفكيكَ التنسيق الأفقي للجماهير سريعاً، فإنَّه يرفع في الوقت نفسه ضجيج الإشاعات ويمنع تشكّل «معرفة عامة مشتركة» تسمح بالخروج من الأزمة سلمياً. وفي الأزمات، لا يقل نقص المعلومات خطراً عن وفرتها؛ إذ يكفي خرقٌ واسع، أو صورةٌ واحدة، ليَقلِبا توقعات البقاء، فتتحول الطاعةُ تردداً، والترددُ عدوى.

ورغم ذلك، فإنَّ النظام لا يزال يمتلك كتلة صلبة من عناصر الصمود في مثلث: الريع، والآيديولوجيا، وتماسك النخبة.

الريع قائم مع النفط الذي يصبّ في جيوب النظام و«الحرس الثوري»، لكنَّه ريعٌ مُعاقَب؛ تقلَّصت قدرته على شراء الولاء، تحت وطأة العقوبات، وأضرار الحرب، وانهيار العملة.

ورغم استمرار الآيديولوجيا في تعبئة القاعدة الصلبة وتبرير القمع، فإنَّها تتآكل كلما انخفضت شرعية الأداء الاقتصادي والخدماتي وشرعية الردع الوطني.

يبدو تماسك النخبة (على اختلاف أجنحتها) مرجَّحاً حتى الآن؛ إذ تفضّل النخبة «قمعاً منظماً» على انهيارٍ فوضوي للنظام.

وتنكشف هنا مفارقة السلطة: يضمن القمعُ السيطرةَ مؤقتاً، لكنَّه يراكم شروط الانفجار لاحقاً. وفيما يمتلك المحتجون قوةً كامنة عبر الإضرابات وتعطيل العائدات وإنهاك «رصيد الولاء»، فإنَّهم يعانون من ضعف التنظيم والالتزام في غياب قيادة موحدة ورؤية موثوقة لليوم التالي. وهي مشكلة تمنع المترددين من القفز إلى الشارع.

يبقى العامل الحاسم عند «الوكلاء» على الأرض: الأجهزة الأمنية. العلاقة بين القيادة والعناصر الميدانية علاقة «أصيل - وكيل»؛ كلما ارتفعت التكلفة الشخصية (اقتصادياً ومستقبلياً وسمعةً) ازدادت احتمالات التململ. لذلك؛ لا ينهار التوازن عادةً بفعل كثرة المحتجين وحدها، بل كذلك بفعل تبدّل توقعات البقاء داخل النظام ذاته.

خارجياً، تُظهر التجربة أن التدخل العسكري المباشر خلال ذروة الاحتجاجات يخدم السرديات الوطنية للنظام، بينما تسمح أدوات التدخل الناعمة، أي دعم الاتصالات، والعقوبات الموجهة، والضغط المتعدد الأطراف، بتطوير الاحتجاجات من دون منح السلطة حجة «العدو». وفي الخلفية، تلعب روسيا دور «مُثبّت النظام» دبلوماسياً وأمنياً، مع إبقاء خياراتها مفتوحة على أي انعطاف مفاجئ.

ما بين 6 أشهر و18 شهراً، تبرز 4 مسارات بتقديرات ترجيحية تقريبية: احتواءٌ آنيٌّ مع عدم استقرار مزمن (نحو 55 في المائة)؛ وانتقالٌ مُدارٌ عبر انقسام نخبوي محدود وضمانات صعبة (نحو 25 في المائة)؛ وانهيارٌ متسارعٌ يكون عاليَ الأثر ويرتبط بانشقاق أمني واسع (نحو 10 في المائة)؛ وتدويلٌ متصاعدٌ للأزمة، بوصفه خطراً دائماً... قد يتحوَّل إلى مسارات مجهولة فيما لو تورطت الأطراف الخارجية (نحو 10 في المائة).

نستطيع أن نقول، بالتالي، إن الحالة الإيرانية اليوم، هي مرحلة ينفتح فيها، بشكل شبه محتوم، مسار التحوَّل، حيث سيكون الزمن؛ لا الشعارات، هو اللاعب الأشد قسوة وحسماً.