د. محمد النغيمش
كاتب كويتي
TT

إشارات التقدم

استمع إلى المقالة

لم تكشف التسريبات ولا التحليلات العسكرية توقعات هجومٍ أميركي محتمل على فنزويلا، واعتقال رئيسها وزوجته، في مطلع عام 2026، بقدر ما كشفه ما يُعرف ساخراً بـ«مؤشر البيتزا»؛ إذ لاحظ متابعون أن طلبات وزارة الدفاع الأميركية للبيتزا في ساعات متأخرة وبكميات تفوق المعدل الطبيعي في واشنطن، غالباً ما تسبق تحركات عسكرية كبرى. مؤشر غير رسمي، لكنه إشارة سبقت الأخبار أكثر من مرة.

بلغ تقدم الإنسان حدّاً جعله قادراً على قياس التقدم والتراجع في كل مجال تقريباً، في ما يُعرف بمؤشرات الأداء. فقبل أيام، أعلن معهد الأبحاث في الكويت إطلاق نظام وطني جميل للتنبؤ بجودة الهواء، لا لإشباع فضول علمي، بل لإرسال رسائل واضحة لمتخذي القرار والمجتمع: متى يكون الهواء آمناً، ومتى يبدأ الخطر في التسلل بصمت إلى مناخنا.

في المصانع والمطاعم والشركات الكبرى، تُقاس الجودة بأرقام لا يختلف عليها اثنان: نسبة الهدر، وزمن التسليم، ومعدلات الشكاوى، ومستوى الالتزام بالمعايير. غير أن الأخطر هو القطاعات التي لا تُقاس إلا حين تتعثر، وحينها يكون التصحيح مكلفاً.

في الخدمات، تُقاس الكفاءة بزمن إنجاز المعاملة قياساً بعدد الموظفين. وفي الصحة، لا يكفي عدد المستشفيات، بل تُقاس المنظومة بمتوسط العمر، وسرعة التشخيص، ونِسَب الأخطاء الطبية. أما الاقتصاد، فلا يُقاس بنمو الناتج وحده، بل بقدرته على خلق وظائف نوعية، وتنويع مصادر الدخل. ولم تتقدم شركة ناجحة ولا بلد متفوق إلا بمؤشرات أداء وخطة.

ومن أخطر المؤشرات، تلك التي تتعلق بالمستقبل البعيد، مثل مستوى التعليم في الرياضيات والعلوم؛ فضعف هذه المؤشرات لا يعني تعثر جيل فحسب، بل تأخر بلاد بأسرها بعد عقد أو عقدين. وكذلك الحال في البحث العلمي، الذي لا يُقاس بعدد الدراسات المنشورة، بل بمدى ارتباطها باحتياجات المجتمع.

ولا تقل التقارير الدولية غير المنحازة أهمية؛ فهي تقيس التعليم والابتكار وريادة الأعمال ومتانة الاقتصاد. تجاهلها لا يلغي دلالاتها، كما أن تحسين الترتيب فيها لا يتم بالشعارات، بل بإصلاحات تعكسها الأرقام.

اللافت أن أخطر المؤشرات أحياناً لا تُقاس مباشرة؛ فكثرة الاجتماعات الطارئة مؤشر ارتباك، وتضخم التقارير مع غياب القرار مؤشر تردد، واستقالة الكفاءات الصامتة مؤشر خلل ثقافي لا إداري فقط. هذا ما يحدث في شتى بقاع العالم.

الخلاصة أن المؤسسات الذكية لا تنتظر الأزمة لتقيس، بل تقيس لتفادي وقوع الأزمة. كما أن مؤشرات التقدم أشبه باللوحات الإرشادية على قارعة الطريق، تخبرنا إن كنا نسير في الاتجاه الصحيح.