- من أي بلد أنت؟
سألني سائق تاكسي أخذني من الفندق إلى حيث سأستأجر سيارة خلال فترة مكوثي الأخيرة في هوليوود. فأجبت: «من كل العالم».
لكن هذا الجواب لم يرضه. نظر إليّ في المرآة وأعاد السؤال بكلمات أخرى:
- في أي بلد ولدت؟
لم يكن هناك من مفر: «في لبنان».
- ولماذا لم تقل ذلك من البداية؟
«أولا ربما عندي أسبابي الخاصّـة. ثانيا لكي أتفادى سؤالك التالي أيما كان».
هز السائق برأسه ثم قال بعد قليل:
«أنا أيضا من لبنان. أعتقد أن اسمك محمد. ألا تذكرني؟ لقد دربتك على القيادة في لوس أنجليس قبل عشرين سنة».
ذهلت. لم أكن قد تذكرت ملامح وجهه عندما اقتربت من السيارة، لكني الآن وإذ أنظر إلى المرآة أتذكره بوضوح: هذا لبناني من رعيل نازحي الحرب اللبنانية تزوّج من أميركية من أصل صيني، وفي عام 1993 عندما لم تعد رخصة قيادتي السابقة قابلة للتجديد استعنت به (لا أذكر من دلني عليه) وأعطاني شهرا من التدريب وأنا الذي كنت أعتقد أنني أعرف السواقة تماما وأجيدها. طلبت منه إيقاف السيارة عند أول مقهى لكي ندردش. استجاب أول ما وصل إلى مطعم صغير في شارع وستوود. جلسنا واستعدنا الماضي ليس لجماله، بل لقدره. عرفت أنه ما زال متزوّجا وأن زوجته تظهر في أدوار صغيرة (جدا) في أفلام صغيرة (جدا)، وكلاهما لا يزال يجهد لتأمين حياة الأولاد.
فتح ذلك قريحتي على حكايات سائقين آخرين. بينهم ذلك الرجل المتقدّم في السن الذي أخذته ذات مرّة من مصر الجديدة إلى فندق في الزمالك. وسألته:
«يا عم. أنا ناقد سينمائي.. هل تعلم ماذا يعني ذلك؟».
فأجاب: «آه.. طبعا. تشاهد الأفلام وتكتب عنها».
أعجبني جوابه فأكملت: «أحيانا أسأل نفسي لماذا اخترت هذه المهنة.. هل تستطيع أن تخبرني؟».
فقال بحكمة سريعة: «عشان انت عاوز تعبّر عن نفسك».
يا سلام.
من المطار إلى فندق آخر في مدينة أخرى.. السائق هندي مقتنع بأنني مخرج رغم أنني نفيت ذلك، ويسألني وهو يكاد يقفز فرحا في مقعده عن أي نوع من الأفلام أخرجه. ثم يقول مؤكدا:
- شاهدتك على الـ«بي بي سي». ذكرت أنك تحب أفلام كمال حسن وكاثوري وذلك العجوز بوري.. ما اسمه؟
«أمريش؟».
- نعم أمريش وعلي باشا ونايانتارا.. لديها جسم جميل نايانتارا.. أليس كذلك؟
أكمل السائق ذكر كل الأسماء التي حفظها بما فيها كل من في عائلتي كابور وخان (نصف عماد السينما الهندية).
تدخلت لتصحيح معلوماته: «قلت لك أنا لست مخرجا، بل ناقد سينمائي.. أكتب عن الأفلام».
فكرر: - نعم.. نعم.. أنت مخرج. شاهدتك على التلفزيون. ما هو الفيلم المقبل لك؟
لم أستطع إلا أن ألعب اللعبة كما يشاء.. فقلت: «عندي مشروع فيلم عما حل ببطلة (تايتانيك) بعد أن غرق حبيبها في البحر». شعرت بأن السيارة كلها انتفضت عندما صرخ معجبا بالفكرة. تمنيت لو كان ممولا لأتحول فعلا للإخراج في تلك اللحظة وربما من دون سيناريو مكتوب.
عندما وصلنا أعطاني بطاقته الصغيرة وقال: «هذا أنا. إذا كان لديك دور لي أمام جوهي شاولا فخذني أرجوك».
